‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصدقاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصدقاء. إظهار كافة الرسائل

04 أبريل 2011

دعاء الآخرين



لم نكن أصدقاء ، و لا حتى نعرف بعضنا البعض بالشكل الكافي ، بل كانت العلاقة تقتصر على تحيّات عابرة من آن لآخر ، و التي قد لا تزيد أحيانا عن ابتسامة أو هزة رأس .

و لكن كانت هناك انطباعات تكونت من خلال مواقف قليلة ، انطباعات أعرف أنها لم تبنى على معرفة حقيقية ، و لكنها جعلتني افترضت أن ذلك الشخص متكلف ، يتعمد إخفاء الحقائق ، و ربما به بعض الغرور .. باختصار كانت انطباعات سلبية تجعلني أتجنب التعامل معه .

...

بينما كنت أصلي ، و أثناء السجود سمعت برغمي أنين جاري في الصف ، كان يخاطب الله سبحانه و تعالى ، كان يبث أحزانه و دعاءه بين يدي خالقه ، و كنت أنا شاهدا على الموقف بلا قصد ، و برغم قصر الموقف الخاطف ، إلا أنه بدا مفاجئا و حساسا للغاية بالنسبة لي ، لقد كان كاشفا عن الحالة الداخلية لذلك الشخص الذي لم أكن أعلم عنه إلا القليل حتى لحظات خلت ، فإذا بي أدخل عليه فجأة في محرابه الخاص .

المثير في الأمر أنني وجدت في نفسي تغيرا كبيرا و سريعا جدا لصورته و انطباعاتي عنه ! لقد اكتشفت أنه "إنسان" ، و أنه يخاف و يتمنى و يرجو ، بل اكتشفت أن مخاوفه و آماله تجد صدى في نفسي ، و وجدت نفسي أكتشف أنها تكاد تكون مشتركة بين كثير من الناس أيضا .

...

عندما نظرت إلى الناس من حولي و تخيلت دعاء كل منهم لربه ، بدأت الصورة تختلف في نظري ، شعرت بالألفة لاشتراكنا في المشاعر ، نسيت خلافاتنا فنحن أخوة ، تذكرت القواسم المشتركة في الأهداف و التحديات و الأخطاء ، بشكل ما شعرت أنني "أقرب" إليهم سواء هؤلاء الذين أعرفهم تمام المعرفة ، أو أولئك الذين بالكاد أعرفهم .

إذا نحيت الشخصية ، و الظروف ، و الشكل ، فإننا جميعا متشابهون ، بل لعل أكثر الأمور شخصية في حياة كل واحد منا هي تلك الأمور المشتركة بيننا جميعا !

...

تعاطف مع الآخرين ، و قدّر احتياجاتهم و اهتماماتهم ، فهم بشر ، و هم بالمناسبة يشبهونك تماما ..


31 أكتوبر 2009

الاتجاه الصحيح

كنت أجلس منذ أيام قليلة مع صديقي الذي أسلم حديثا .

الاتجاه الصحيح لم يكن الله قد أنعم عليه بنعمة أن يولد لأهل مسلمين ، و لا أن يتكلم أو يفهم اللغة العربية كأهلها ، و لا أن يتاح له أن يقرأ أو يسمع الكثير مما يرشده في طريقه و يذكره دائما ، و مع ذلك فقد أنعم الله عليه بنعمة البصيرة ، و القدرة على البحث عن الحقيقة .

الشهادة

كان قد قرأ خلال عدة سنوات عن الإسلام ، بل و دفعته الأسئلة ليبحث في دينه القديم عن إجابات ، لم يكن مجتمعه يرحب بهذا التحول ، و لكن هكذا استمر حتى وجد نفسه ينطق بالشهادتين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن محمدا رسول الله .

سألت نفسي : و كيف "شهد" بالوحدانية لله تعالى و بالرسالة لمحمد صلى الله عليه و سلم و لم يرهما ؟ كيف توصل إلى هذه الحقيقة الغالية ؟ و كيف لا يتوصل بعض المسلمين إلى حقيقة هذه الشهادة ؟ و هل يمكن أن يصبح كل المسلمين أو جلهم على هذه الدرجة من الفهم و الاقتناع ؟

قدمت لنا زوجته الطعام ، لم تسلم بعد ، و لكن طعامها حل لنا .

الاتجاه المعاكس

استطاع صديقي بتوفيق من الله أن يتعلم أساسيات الإسلام ، يستطيع أيضا أن يقرأ القرآن ، و لكنه لا يفهم إلا الترجمة ، يقابل العديد من المسلمين ، و يتمنى أن يتواصل معهم بشكل أكبر ، و لكن تقف اللغة حاجزا ، و لذلك قرر أن يتعلم اللغة العربية بشكل كامل ، و لكن عليه أولا أن يخطط لهذا بما يحمله من سفر و وقت و مجهود و تكاليف .

ودعته قبل سفره بساعات ، و نزلت إلى الطريق ، أرى مصر مزدحمة ، الكثير من الناس يسيرون في اتجاه ، و في الناحية الأخرى أرى صديقي و غيره يسيرون في الاتجاه المعاكس . أم ترانا نحن الذين نسير في الاتجاه المعاكس ؟

متى نحل أزمة السير في بلادنا ؟ متى نتعلم الاتجاه الصحيح ؟ متى نحترم الإنسان و نصبح أصحاب حضارة من جديد ؟

ماذا سيكتب عني ؟

كنت أفكر فيما يفعله صديقي بعد عودته لبلاده ، ترى ما الانطباع الذي تركته و غيري من المسلمين لديه ؟ ترى لو جلس ليكتب مقالا يقول فيه :

كنت أجلس منذ أيام قليلة مع صديقي الذي ولد مسلما .

ترى ماذا سيكتب عني ؟ ترى ماذا يقال عنا الآن ؟

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

 

* توفي إلى رحمة الله الدكتور مصطفى محمود صباح اليوم السبت 31 أكتوبر ، بعد ثلاثة أسابيع من موضوع مصطفى محمود و لغز الحياة . إنا لله و إنا إليه راجعون ، لم يتم تكريم الدكتور في حياته ، و أسأل الله تعالى أن يكون تكريمه في الفردوس الأعلى ، و أن نستثمر علمه بالشكل الأمثل ليكون صدقة جارية له بعد وفاته .

10 أكتوبر 2009

مصطفى محمود و لغز الحياة

مصطفى محمود نشأت في بيت به مكتبة كبيرة ، في الواقع كانت هناك أكثر من مكتبة واحدة ، و كانت الكتب الكثيرة تغريني منذ طفولتي أن أحاول أن أقرأ ما تيسر لي منها ، فكنت أكتشف في كل مرحلة كتب جديدة ، تلك الكتب التي أصبحت في متناول عقلي .

كانت كتب الدكتور مصطفى محمود تحتل جانبا هاما من الكتب التي استكشفتها في سنين قراءتي الأولى ، و ظللت أحاول قراءتها سنين حتى تفتحت في عقلي الصغير بعضا من معانيها الكبيرة .

كان بعضها من كتبه الشهيرة مثل حوار مع صديقي الملحد ، و رحلتي من الشك إلى الإيمان ، و بعضها أقل شهرة و لكنه أكثر إلغازا و تعقيدا مثل رأيت الله ، و الوجود و العدم ، و لغز الموت ، و لغز الحياة ، و السر الأعظم .

عشت من خلال هذه الكتب مع شخصيات عجيبة مثل محمد بن عبد الجبار النفري ، و جلال الدين الرومي ، و ابن عطاء الله السكندري ، و غيرهم ، و قرأت نصوصا ملغزة من المواقف و المخاطبات ، و المثنوي المعنوي ، و الحكم العطائية ، و كانت هذه فاتحة لقراءتي الكثير من الكتب و لكثير من المؤلفين الكبار الذين تعرفت عليهم فقط من خلال كتب دكتور مصطفى محمود .

في وقت ما منذ نحو عشرين عاما قررت أنا و صديق لي – في ظل انبهارنا بكتابات الدكتور مصطفى محمود – قررنا أن نقرأ كل ما كتب ، و بالفعل بحثنا عن قائمة كتبه و جمعنا كل ما لدينا منها ، و وجدنا أنه ينقصنا أن نشتري نحو أربعين كتابا له ، و لأننا كنا طلبة و لم نملك المال الكافي اتفقنا على أن يشتري كل منا نصف هذه الكتب ، و أن نتبادلها فيما بيننا لنتمكن من قراءتها جميعا ، و ذلك على مدى نحو العامين ، و بالفعل استطعنا أن ننفذ هذا المشروع لنقرأ كتبا مثل القرآن محاولة لفهم عصري ، و الروح و الجسد ، و حقيقة البهائية ، و الشيطان يحكم ، و نقطة الغليان ، و غيرها الكثير ، فيما عدا عدد محدود من الكتب كانت ممنوعة من التداول في ذلك الحين مثل كتاب الله و الإنسان .

تعلمت من هذه الكتب الفكرة الفلسفية للنظرية النسبية لأينشتين ، قبل أن أدرس معادلاتها الهندسية بسنين ، و تعرفت على تفسير ماركس للتاريخ ، فقرأت عن الماركسية و نقدها ، و فهمت لماذا انبهر العلم بنظرية النشوء و الارتقاء ، رغم رفض الفطرة و الدين لمسألة اشتراك أصل الانسان مع الحيوان ، و انبهرت بنظرية الأحلام لدى فرويد ، و قارنتها بنظريات يونج و غيره ، و قارنتها بعلم النفس القرآني ، و تفسيره للنوم و الأحلام ، و رأيت قدرة الله في المخلوقات و التاريخ ، و "شعرت" بتفسير لآيات لم أكن أفهمها في القرآن من قبل أن "أقرأ" تفسيرها فيما بعد ، و تأثرت برؤية الإنسان يتأرجح ما بين أعلى مراتبه تارة و بين أدناها تارة أخرى .

برنامج العلم والايمان المقدمه الاصليه ناي محمود عفت
تزامن هذا كله مع برنامج الدكتور مصطفى محمود الأشهر : العلم و الإيمان ، و كان له موعد ثابت يوم الإثنين من كل أسبوع لا تستطيع نسيانه لأن صوت الناي الحزين كان ينبعث في نفس الميعاد من جميع البيوت المحيطة ، فقد كان فقرة أسبوعية ثابتة و مميزة في ذلك الحين .

يرتبط الدكتور مصطفى محمود أيضا في ذاكرتي بصلاة العيد في ساحة مسجد محمود بالمهندسين ، و كانت نقطة تجمع شهيرة ، و أذكر بعض خطب الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله في تلك المناسبة ، كما أذكر الصلاة ليلا خلف القارئ الشيخ محمد جبريل فيما بعد في نفس المسجد .

عندما أتذكر ذلك كله ، لا أستطيع أن أقدر حجم التأثير الذي ساهم به الدكتور مصطفى محمود في تكويني أنا و أمثالي من أبناء جيلي و أجيال أخرى في مصر و غيرها من البلاد ، لا أتمكن من حصر المجهود الذي قام به في مجالات الفكر و العلم و الثقافة و الفن و الخدمات العامة ، لا أتخيل كيف يمكن التعبير عن جميل هذا الإنسان على قراءه و محبيه – فضلا عن رد هذا الجميل ، و ذلك بغض النظر عن اتفاقي أو عدمه مع أي مما عرض من آراء و أفكار .

في نفس الوقت يؤلمني أن يحتضر الدكتور مصطفى محمود في ظل غياب إعلامي (فيما عدا عدد خاص لمجلة الجزيرة الثقافية قبل عام) و رسمي بل و شعبي ، هل هو نكران للجميل أم جهل ؟ عندما يرفض المسئولون المهرولون لخدمة الراقصين و التافهين مد يد المساعدة له أشعر أن خدمته شرف لهم لا يستحقونه ، و لكنه واجب على كل من يحبه .

فهل أطمع أن يكون تكريمه شعبيا بعد أن حرم من تقدير الدول و النخب ؟ هل كثير عليه أن يموت وسط ذكر أحبابه له ؟ هل يكثر على أمثاله أن يدعو له كل من تعلم منه حرفا ، أو أن يتبع جنازته عند وقوع قضاء الله ؟ أسأل الله أن يشفيه و يغفر له ، و أتمنى أن أرى حملة أقلام تذكره و تذكر الناس به ، فالجحود سمة البخلاء .

إن كنت تملك مدونة و قراءا فاكتب عنه بعض الأسطر ..

و إن كانت لديك قائمة بريدية فأرسل لأصدقائك شيئا من أخباره ، أو مقالا تحدث عنه ..

و إن كنت قد قرأت له أو رأيت برنامجه فادعو له ، أو قم بزيارته ..

و لا تكن ناكر للجميل كمن يوزعون الجوائز الملوثة فقط على محترفي صيد الجوائز .

جروبات الدكتور مصطفى محمود على الفيس بوك :

جروب 1 ، جروب 2 ، جروب 3 ، صفحة 1 ، صفحة 2 ، صفحة 3


** تحديث : توفي إلى رحمة الله الدكتور مصطفى محمود صباح اليوم السبت 31 أكتوبر ، إنا لله و إنا إليه راجعون ، أسأل الله تعالى أن يكون تكريمه في الفردوس الأعلى ، و أن يستثمر الناس علمه بالشكل الأمثل ليكون صدقة جارية له بعد وفاته .

03 أكتوبر 2009

سقوط الأقنعة

قلت لصديقي أثناء خروجنا من أحد بوابات الحرم المكي : لقد اكتشفت أن رحلة الهجرة إلى الله متمثلة في الحج أو العمرة تدفع الإنسان دفعا ليكتشف حقائق الحياة ، و لتسقط من أمام عينيه جميع الأقنعة .

قال صديقي : إن الحج رحلة فريدة ، فهي رحلة إلى الله ، يكون الإنسان فيها في قمة السمو الروحي و الأخلاقي ، و هو مؤتمر سنوي دعا إليه رب البشر ، فهو اجتماع في أشرف البقاع من أجل تحقيق أشرف الغايات ، و في أشرف الأوقات .

قلت له : إن الإنسان يشعر بشعور غريب و هو يعيد اكتشاف نفسه هنا ، و هو يتحرك بدافع غامض يخرجه من كل ما ألفه في حياته .

قال : إن هذا الشعور الغامض هو شعور حب و أمان ، أنت تشعر أنك خرجت لأن أحدا قد دعاك ، و أنه ينبغي عليك أن تذهب ، أنت لا ترى وجه الداعي أو تسمع صوته ، غير أنك واثق أنه قد دعاك ، و ينبغي أن تلبي .

إنه هوى في القلب لا يعرفه إلا من ذاقه ، يتحدث أهل الهوى عن الحب من أول مرة ، أما هذا فحب قبل المعاينة ، ترى هذا الهوى فرحا في وجه من وفقه الله فتحرك لأداء الشعيرة ، و تراه أيضا في دموع انحدرت على وجنتي من حيل بينه و بينها .

سقوط الأقنعةو انطلاقا من هذا الفهم رحت أرصد خلال رحلة العمرة هذه الأقنعة و هي تسقط أمام عينيّ الواحد تلو الآخر :

قناع البراءة

مع مرور الوقت بالإنسان يعتاد أخطاءه ، و يظن أن عيوبه و خطاياه صغيرة ، فيتشاغل عنها ، و يقنع نفسه بأنها بسيطة و يمكن علاجها حينما يريد ، و يعزي ما يقع فيه من مشاكل إلى الآخرين و الظروف متناسيا أنه غفل عن إصلاح نفسه في المقام الأول ، و هكذا يتحول إحساسه بالبراءة إلى مشكلة مزمنة لا حل لها .

قناع الاستقرار

هو الظن بأن الحياة ستظل دائما كما هي الآن ، فيرسم الإنسان صورة مستقبله بفرض امتداد جميع الخطوط على استقامتها ، و هو في هذا ينسى أن التغيير هو سنة في الحياة ، و أن الاستقرار ما هو إلا أمل زائف . و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، و ما تدري نفس بأي أرض تموت .

قناع الألفة

يظن كل إنسان أن ما ألفه في حياته هو الصحيح ، و يعيش يرتب خططه حسب هذه الألفة ، بل و يتوقع من الآخرين أن يتحركوا وفقا لمعاييره الخاصة ، و يستنكر أن يرى سلوكا أو قولا يخالف ما ألفه ، رغم أن اعتياد كل منا لما يعرفه لا يعني في الواقع كثيرا بالنسبة للآخرين .

قناع الأهمية

يعمي الإنسان الظن بأن ما يفعله لازم و ضروري لاستمرار الحياة ، بل و يعتقد أن رزقه و رزق الآخرين متوقف على مجهوده ، كذلك يعتقد بأن غيابه عن محيط عمله أو أسرته أو أصدقائه سوف يتسبب في شلل الحياة ، ثم يفاجأ بأن الحياة تستمر في حال وجوده كما في حال غيابه ، فيفقد إحساسه بالأهمية معناه .

قناع السببية

إن الظن بأن الأسباب الظاهرة هي ما يحرك الأحداث يجعل الإنسان ينسى مسبب الأسباب ، رغم أن كل منا قد رأى في حياته ما يثبت أن الدواء في ذاته لا يشفي ، و أن المال لا يغني ، و أن أسباب السعادة قد تشقي ، بل أننا عندما تنقطع بنا الأسباب نلجأ لمن ينجينا بلا أسباب ، و رغم ذلك كله يمنعنا قناع السببية من استخدام التوكل بشقيه الأخذ بالأسباب و الطلب من الله .

قناع القرب

قد يرتبط الظن بقرب و بعد الأشخاص بمقدار التعامل اليومي معهم ، و ذلك بالرغم من أن الحب قد ينشأ بين من تمتد بينهم المسافات ، و لا يلتقون إلا بعد سنوات ، إلا أن اختبار البعد المادي يجعل الإنسان يعرف فعلا من يحبه في مصلحه ، و من يحبه في الله .

قناع الفهم

إن الظن بأنك تفهم ما يدور حولك بغض النظر عن التفكر في السنن الكونية التي تحكم العالم هو تفكير قاصر ، و يمكن لكل منا أن يضع التصورات و الأفكار الخاصة به لفهم تطور الأحداث و تحرك الأشخاص و تغير العلاقات ، إلا أنه يجب أن يفهم أيضا أن فهمه يظل قاصرا ما لم يحط بسنن الله في الأفراد و المجتمعات و التاريخ .

و بعد ، أجد هذه الأقنعة و غيرها تفرض نفسها مع كل غفلة و نسيان ، أجدها تفسد على الناس حياتهم ، و كلما اكتشفت أحدها على عينيّ أرى الدنيا من خلاله أحاول أن أتذكر رحلة سقوط الأقنعة ، و أحاول أن أعود من رحلتي بلا أقنعة .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

26 سبتمبر 2009

عودة

عودة صحوة مفاجئة تمر بي ، أتفحص في الوجوه المحيطة ، لأجدني أفتقد الحقيقة .

كان وعيي يتشكل ببطء و أنا أنتقل من منطقة الأحلام الرمادية إلى ملامح الحياة بألوانها ، باهتة كانت أم زاهية ، رحت أتطلع بشوق إلى وجوه أفتقدها ، لم تكن العودة مجرد صحوة من النوم ، و إنما كانت انبعاثا إلى حياة .

مرت الشهور بعيدا عن رحايا العمر ، افتقدت وجودي هنا ، و فكرت كثيرا في العودة ، و لكن الوقت المناسب لم يجئ بسرعة ، و أقلقتني فكرة تعقد الحياة بشكل لا يسمح لنا أحيانا بممارسة ما قد نعتبره حقا لنا أو للآخرين ، أو واجبا علينا أو على الآخرين .

...

ماذا كنت أفعل ؟ عمل و سفر و فرح و موت و ميلاد .. و هل يمكن تلخيص الحياة ؟

و على كل فإن بعض الأحداث لا يمكنني أن أغفل ذكرها :

  • كانت العمرة رحلة هامة و جميلة ، حملت من الهبات و النعم ما يفوق إدراكي ، فهمت خلالها بعض أقنعة الحياة ، و قابلت فيها أخا عزيزا و كريما من المملكة السعودية هو الأخ علي محمد .
  • ظننت دائما أنني سأشهد حفل توقيع أول كتاب لصديقي المهندس أحمد القاضي ، فإذا بالكتاب ينشر و ينتشر ، و أغيب أنا .
  • كانت زيارة أطفال أبو الريش و ذويهم مع المدونين واحة وسط صحراء البعد ، و امتزجت الفرحة بالخجل لأنني شعرت وسط المدونين أنني لم أبتعد أبدا .
  • حمل إلي رمضان وعدا متجددا بالرحمة و المغفرة ، و رحل و أنا مسرف لا أقنط من رحمة الله .
  • كانت التعليقات و الرسائل و المكالمات التي أتلقاها من وقت لآخر تحمل إلي نسائم رحايا العمر ، و تجعلني أسأل نفسي دائما عن موعد العودة .

جري الإنسان

أحيانا أنظر إلى نفسي و إلى الناس من حولي لأجدنا نجري في كل اتجاه ، كلنا نجري في اتجاهات مختلفة ، كل منا يحمل في يده أشياء مختلفة ، أو يدفعها أمامه ، أو يجرها خلفه ، أو يحملها فوق ظهره !

تتقاطع الدروب فنصطدم في الطريق و نسقط ، ثم نقوم لنجري و نتعب ، ثم نجلس لنرتاح ، و لا نرتضي الراحة فنقوم من جديد و نجري .

في الطريق نبحث عن الأحلام ، أو عن السعادة ، أو عن الحرية ، نبحث عما لا نعرفه ، و لكننا لا نرتاح طالما لم نجده بعد . يدق كل منا أبواب عديدة تقابله في الطريق ، ليفتح لنا أناس أغراب ، نتفحصهم و نبحث لديهم عما نريد ، و بمعرفتهم نكتشف أن الرحلة لم تنته ، و نبدأ البحث من جديد .

لا أحلام فرويد و لا قوة نيتشة و لا نسبية أينشتين و لا اقتصاد ماركس و لا أية نظرية إنسانية تفسر سر جري الإنسان المستمر ، بينما ترن في أذني كلمات " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " ، و أتعجب من معنى الكدح ما بين التعب و الجهد و الكد و العمل و السعي و العودة ..

فما رأيك أنت ؟ لماذا يجري الإنسان ، و إلى أين ؟

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

 

18 أبريل 2009

المنطقة الرمادية

المنطقة الرمادية اندفعت الخواطر تهاجمه ، و لكن وطأة اللحظة فرقتها ، فصار لا يعرف أيستعين بما يهاجمه على ما يسكنه ، أم يدفع عن خاطره كلاهما ؟

كان يصارع واقعا آلمه ، كان الألم جارحا ، و لكنه اعتاده شيئا فشيئا ، صار بعضا منه ، و أصبح اختياره أن يعيشه . ثم جاءت تلك الأسئلة ، هزت استقرار الواقع ، و كشفت أن الواقع ليس قدرا محتوما ، و إنما اختيارا إنسانيا جديرا بالمحاولة و التجريب .

...

تحدث إلي صديقي الذي أعرفه منذ سنين طويلة كما لم نتحدث من قبل ، ربما هي إحدى المرات القليلة التي يمس فيها الحديث قلبه ، و قلبي ، نظر لي بعينين مليئتين بالحيرة و الأسئلة ، لم أعد أنظر إليهما ، و إنما إلى تردده و ضيقه ، و هو يسألني أسئلة لا أحسن الرد عليها .

و تذكرت حينها حيرتي و دهشتي في مواقف و مشاكل لا أعرف كيف أتعامل معها بالشكل الأمثل ، و المذهل أن تكرر هذه المواقف لا يزال يسبب الصراع .

عادة ما تكون هذه المواقف ناتجة عن الضياع بين المسموح و المرغوب ، إنها المسافة بين الواقع و الأمل ، أو المساحة التي يمتزج فيها الرأي و الهوى بالواجب و المفروض و ما تمليه الظروف ، إنها تلك المنطقة الرمادية التي تتشابه فيها الألوان فيختلط المفروض بالواجب ، و المسموح بالمتاح ، و يتساءل الإنسان لما قد يثقل الضمير بما يمليه الواجب ؟

...

عدت من أسئلتي الحائرة إلى حيث أسكن على ضفاف اليقين ، تذكرت صديقي و حديثي المرسوم بالأبيض و الأسود ، حيث تتضح المعالم ، و تتمايز الأشياء ، ثم قارنت هذا بتعاملي مع الواجب ، و تقبلي للظروف ، حين أتجاوز المفروض قليلا ، باستنفاد المتاح ، في ظل مساحة ضيقة من المسموح ، بحثا عن الأمل ، و في محاولة لتغيير الواقع ، و إرضاء للضمير .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

 

* أعتذر عن الغياب لفترة طويلة ، و أسأل الله أن يوفقني للعودة و الانتظام قريبا

06 سبتمبر 2008

اتبعني من فضلك

اتبعني من فضلك كنت شابا في مقتبل حياتي العملية ، و كان شيخا يقترب من سن المعاش ، و كان قد تقاعد من عمله بالفعل .

كنت أبحث عن مكاني في الحياة ، و كانت لدي آمال عريضة ، و لم أكن أدري ما الذي ينتظرني ، و لكنني كنت على استعداد لعمل المستحيل من أجل تحقيق أحلامي ، و في المقابل كان هو قد خبر الحياة ، و فهم آلياتها ، و بينما كنت أنا أجرب لأتعلم ، كان هو يعرف ما الذي يجب عمله و كيف و متى .

لم تكن هناك أي عوامل مشتركة بيننا عندما التقينا سوى الجيرة ، و بالرغم من ذلك تولدت علاقة جميلة استمرت سنوات ، و كانت تحمل بالإضافة للحب من ناحيتي الاحترام و التقدير الفائق ، في مقابل أبوة و عطف و توجيه من ناحيته .

و العجيب أنه كان يتعامل مع الكثير جدا من الناس ، و يحتفظ مع كل منهم بعلاقات متميزة و خاصة جدا ، و لهذا كان أقرب إلى شخصية عامة ، و مع ذلك كان تعامله الشخصي مع كل من معارفه يجعله شخصا مميزا و أثيرا لدى كل منهم .

...

اتبعني ذات يوم بينما كنت أستعد بأقصى سرعتي للذهاب لعملي ، و كان لدي من المشاكل ما يجعل ذهني مشغولا للغاية ، سمعت ضوضاء غير مفهومة ، و لاحظت حركة غير عادية في المنطقة المجاورة لمنزلي ، و إذا بميكروفون المسجد المجاور يعلن أن صلاة الجنازة ستصلى على صديقي الكبير .

لا أستطيع أن أصف مشاعري حينئذ ، غير أنني و فيما يشبه الذهول أخرت مواعيد عملي ، و أسرعت لحضور صلاة الجنازة ، و فاضت صلاتي بمشاعر الفقد ، و الرغبة في تحميل دعائي رسائل أخيرة إلى الفقيد نفسه ، و لكن حسن ظني بالفقيد جعلني أتيقن من رحمة الله التي تغمره الآن ، و تحول حزني إلى تسليم تام بقضاء الله ، و دعاء باللقاء في مستقر رحمة الله تعالى .

انصرفت إلى عملي بعد صلاة الجنازة و أنا مشوش الذهن ، و كانت الصورة التي لا تفارقني عدد الحضور في صلاة الجنازة ، كيف تجمع كل هؤلاء في غير موعد صلاة أثناء النهار ؟

...

من فضلك بعد مرور سنوات على حدوث هذا الموقف ، و منذ يومين فقط و في أثناء حديثي مع صديق عزيز لدي ، علمت أنه و صديق آخر كانوا قد حضروا صلاة الجنازة أيضا ، و بعد انقضاء صلاة الجنازة عرف الناس أن مكان الدفن بعيد جدا ، قد تمتد رحلة الذهاب فقط إلى خمسة ساعات ، مما يعني أن إتباع الجنازة و العودة يعني انقضاء اليوم كله ، مع المشقة في هذا .

جاء أحد الصديقين يبحث عن الآخر ، و دار بينهما هذا الحوار القصير :

- حاتعمل إيه ؟

- مش عارف ، المسافة محتاجة تفكير ..

- بس الميت مش محتاج تفكير .

- صح ، يالا بينا .

و هكذا حسم الأمر سريعا ، و فازا بقيراط آخر من الحسنات ، و مر اليوم كغيره من الأيام .

و بعدما سمعت هذه القصة تساءلت في نفسي ، ترى هل كان أي من الصديقين سيتبع الجنازة لو لم يدر هذا الحديث القصير ؟ ترى هل كنت سأتبعها لو كان هذا الصديق قد سألني أنا ؟

لست أدري على وجه اليقين ، و لكن الأكيد أنني أتمنى لو كنت تبعتها ، و أتمنى أن أكون عونا على الخير ، و أن أجد دائما على الخير أعوانا .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

25 أغسطس 2008

سنوات في لحظات

رحلة الإنسان في الزمن عجيبة بحق ، فقد يعيش سنوات من الحنين لمشاعر مرت به و انقضت في لحظات ، و قد تحفل دقائق أو ثوان من عمره بما قد يبذل سنوات شوقا له ، و هكذا كانت الساعات القليلة الماضية ..

الجمعة قبل الساعة الحادية عشرة صباحا "بؤجة الخير"

بؤجة الخير توجهت لمكان التجمع قبل الميعاد ، استعدادا لتوافد قلوب طيبة ، تواعدت على تغطية آلام الفقراء ، فوجدت أنني – و إن بكرت في وصولي – قد تأخرت عن شوق محبي الخير للثواب .

كان اللقاء رائعا بحق ، أن تلقى من جاء من بلد بعيد بحمل ثقيل ، أو من جاء رغم صعوبة الظروف ، أو من جاء فقط ليقول أنا معكم "أنا تحت أمركم".

في لحظات كتلك أنسى زحام الطريق ، و سوء أخلاق المخنوقين ، و بلادة المحبطين ، في لحظات كتلك يتجدد أملي ، و أتيقن من فجر قريب .

لن أستطيع أن أقدم كشفا بالحاضرين ، فقد سبقتني ملائكة اليمين ، و لن أشكر أو أجامل ، و إنما أدعو للجميع بحسن القبول و بإخلاص النية لله تعالى ، و في التغطيات الجميلة التالية ما يكفي و يزيد عن تفاصيل اليوم و الحضور :

إيجابي أنا

شكر من قلبي

واحد إتنين تلاتة

يومين من السعادة

مجلس الشورى واسطبل عنتر؟

و أحب أن أنوه أن الجمعية تريد أن تقوم بعمل حصر لحالات الضغط و السكر بالمنطقة ، و تبحث عن متطوعين من السادة الأطباء و الصيادلة – لمدة ثلاث ساعات فقط – لإجراء الكشف على الحالات ، و ذلك في موعد يتم تحديده قريبا إن شاء الله ، و على المهتمين مراسلتي على الإيميل .

تحديث : أصداء بؤجة الخير لحظة انكسار في مدونة جنة

السبت الساعة السابعة مساء "مصر في قطعة جاتوه"

مدونات مصرية للجيب 2 بقدر ما كان اللقاء الأول أقرب إلى الحلم ، كان اللقاء الثاني إعلانا بأن التدوين لم يكن سحابة صيف ، و صدر كتاب جديد يؤلفه الشعب المصري .

و رغم لقاءاتي السابقة بالعديد من المدونين فقد تشرفت بمعرفة وجوه جديدة ، منهم من كنت أعرفه بقلمه فقط ، و منهم من لم أكن أعرفه من قبل ، و بقدر ما سعدت بلقاء من التقيت بهم من قبل مثل أبو خالد و خالد همس الأحباب ، و دعاء مواجهات ، و أحمد مهنى ، و إيناس لطفي ، و أحمد الصباغ ، و بنوتة مصرية ، و محمد مفيد ، و ضياء ، و عسقلاني ، و سووو ، و قلب مصري ، و اليعقوبي ، و شمعي أسعد ، و لن أذكر باقي الأسماء لأنها أكثر من أحصيها ، بقدر ما كانت سعادتي كبيرة بالمقابلة لأول مرة مع وميض ابتسامة ، و بنت القمر ، و شمس الدين ، و محمد عبد الغفار ، و أخف دم ، و مصري ، و صباح الخير يا مصر ، و مكان في القلب ، و صباح الورد ، و بطوط حبوب ، و كلام هشام ، و مصطفى ريان ، و إيهاب عمر ، و دكتور حر ، و غيرهم ممن لا تسعفني ذاكرتي بحصر أسماءهم ، و أرجو أن يسامحوني !

و مع ذلك بحثت عن وجوه أخرى تمنيت أن ألقاها ، و لكن لم يقدر الله بعد مثل خمسة فضفضة ، و طيارة ورق ، و لعلها خير ، و عدى النهار ، و مع إصراري ، و عارفة مش عارف ليه ، و عين في الجنة ، و جنى الجنتين دان ، و قصاقيص ، و بصمة وجدان ، و مشتاق لله ، و هنا و هناك ، و صاحب المضيفة ، و اصطنعتك لنفسي ، و سبهللة ، و الشاعر ، و سنوهي ، و أنا الشعب ، و صعبان علي حالنا ، و غيرهم كثير جدا .

و لأنني لا أجيد تغطية هذه المناسبات ، فسوف أضع هنا قائمة التغطيات عن الحدث و الحضور :

تغطية أنا و صاحبي

مصر فى قطعة جاتوه..تغطية الحفل

مدونات مصرية للجيب ... كلاكيت تاني مرة

يومين من السعادة

ما بين حفل التوقيع ...و ماليزيا

بعض من الزهو

مواقع تغطيه الحفله

عيد المدونين

دكتور تغطية
مصر المبسوطة وهي في قطعة جاتوه

21 أغسطس 2008

صلوات مسروقة

صلوات مسروقة 1 كان الجو حارا ، و كنت في عجلة من أمري ، مررت بالمكان سريعا ، و فكرت أن أقف لألقي التحية على صديق قديم لي ، و لكنني قدرت أن الوقت غير مناسب بالنسبة لي ، لقد مضى زمن طويل بعد آخر لقاء ، و أحب أن أقضي معه وقت طويل ، و أن أسترخي في لقاءنا ، فوسط التعامل مع مشاكل الحياة ، و بين قسوة معاملات البشر ، أحب أن أكون في جلستي معه طبيعيا ، بسيطا ، هادئا .

أحسست بضيق لأنني لم أتمكن من لقاءه لنفس هذا السبب مرات عديدة سابقة .

قررت أن أصلي الظهر في مكتبي .

...

بعد يوم حافل من العمل ، حاولت أن أنهي كل مسئولياتي العاجلة قبل انصرافي ، و استغرق هذا وقتا لا بأس به ، و عندما كنت في الطريق المزدحم أحسست بالحاجة لأن أتنفس ، اتصلت بأحد أصدقائي لألقي إليه بهمومي ، و رغم انشغاله ، و رغم أنني لم أصرح له بضيقي ، قال لي : "مال صوتك؟" ، قلت : "ماله؟" ، قال : "إيه اللي مضايقك؟" ، من المريح أن أجد من يسألني هذا السؤال لأجيبه ، ليس علي أن أبرر مواجعي و أنا أحكيها ، هو يريد أن يسمعني .

بالرغم من هذا لاحظت انشغاله ، هو الآخر يحاول أن يعيرني اهتماما بينما ظروفه لا تسمح ، أنهيت المكالمة و أنا أفكر في معنى الوحدة .

حمدت الله أنني صليت العصر قبل أن أتحرك .

...

كان الوقت ضيقا من جديد ، و لم أستطع أن أنهي كل ما أردت ، أحيانا أحلم بيوم طوله 30 ساعة ، تخيل 6 ساعات إضافية كل يوم !

لما تشعبت بي الأفكار في أودية الحيرة ، أخذت أدفع الخواطر و أنا أصلي المغرب ، و وجدت أن الأولى أن أحلم بمشاغل أقل ، فهذا أجدى من يوم طوله 30 ساعة يمكنني ملؤه بسهولة أيضا .

...

قرأت كثيرا في المساء حتى اختلطت الحروف بالمعاني ، نمت و أنا مشفق من ساعات مزدحمة في صباح جديد ، لم أتذكر ماذا قرأت بعد الفاتحة في صلاة العشاء .

...

صلوات مسروقة 2 عندما قمت لصلاة الصبح ، كان الهدوء يدفعني للتأمل ، و كان أثر النوم يجعلني أطلق العنان لأفكاري كأنما أحلم ، كنت أتساءل عن قيم الحياة ، و أولوياتها ، و أهدافها ، و هل أسعى حقا لتحقيق هذه الأهداف ؟ هل وضعت الأهم في موضعه ؟ هل انشغلت بما أنا له عما هو لي ؟ هل كانت الاختيارات صحيحة ؟ أم أنني أخدع نفسي ؟

فجأة و كأنما صحوت من حلم ، أجد أنني حدت عن الطريق في مواطن محددة ، رحت أضع يدي على مواطن الخلل ، اكتشفت قصورا و تقصيرا ، عاهدت نفسي على أداء مهام تأخرت فيها ، و عقدت العزم على تجنب الانشغال بأمور أخرى . و بوضع خطة كاملة لما أريد أصبح الطريق واضحا أمامي ، و أيقنت أن التزامي بهذه الخطة يرضي قيمي ، و أولوياتي ، و أهدافي .

...

كلما أفقت من غفلتي ، أحاول أن أحافظ على وضوح الرؤية ، و على وجود خطة دائما ، و ذلك حتى أتجنب أن تمر علي أيام أتسأل فيها ماذا فعلت لآخرتي اليوم سوى .. صلوات مسروقة .

 

* اللوحات للفنان محمد حجي

16 أغسطس 2008

وهم الشباب

وهم الشباب

في وسط انهماكي الشديد أخذت أردد كلمات أغنية قديمة في سري ، وجدت أنني نسيت الكثير من كلماتها ، عدد الكلمات التي تسربت من خلايا مخي مثل عدد السنين التي تسربت من عمري ، تربكني المقارنة فلا أعرف كم ضيعت و كم أبقيت ..

إحنا زمان كنا الزمان

كنا الهوى من غير هوان

كنا الأمان من غير حدود

تسيطر على فكري هواجس مقلقة بخصوص الفقد و البقاء ، و ما يمكن تذكره ، و ما تم نسيانه إلى الأبد ، أطرد هواجسي و أواصل عملي ، أستغرق فيه لبعض الوقت ، عندما يتشتت تركيزي ثانية أندهش أن الهواجس مازالت مسيطرة على جميع أبواب العقل ، و يلح علي خاطر سخيف أن أبحث عن كلمات الأغنية لأتذكر ما نسيت من كلماتها و أهدأ ، لقد مرت سنوات طويلة و أنا أعتبر نفسي لا أسمع أغاني إلا فيما ندر ، و لم أعد أعرف أسماء المطربين إلا ما يفرضه علي المجتمع في وسائل الإعلام و على ألسنة الناس ..

الوهم مات

والذكريات قالت لي حبك بالوجود

يا ريت تعود

أطرد الأفكار ، و ألجأ هذه المرة إلى نشاط مختلف تماما يستنزف جهدي و تركيزي ، و حالما أفرغ منه أجد أن الرغبة في التذكر تعود من جديد ، و كأنما استعادة الذكريات يعيد أحداثها إلى الحياة ، و كأنما اجترار الأحزان و الأفراح يعيد دورة العمر من بدايته ، إنها نفس الأغنية مرة أخرى ..

عمري اللي راح

سماح سماح

ماذا يقول بعدها ؟ لا أستطيع أن أتذكر ، و رغم أنني مازلت أذكر صديقي الذي أسمعني هذه الأغنية لأول مرة ، و أذكر تفاصيل كلامه ، و تعبيرات وجهه ، بل إنني أذكر ما أحسست به في تلك اللحظة ، إلا أنني أنسى كلمات الأغنية . لقد نسيت ما يمكنني أن أستعيده ، فلابد أنني واجد الأغنية على الإنترنت لو أردت ، و لكنني لم أنس ما لا يمكن استعادته من أشخاص و لحظات و مشاعر راح زمانها ، و راحت إلى الأبد .

السؤال

في بعض الأحيان أتساءل عن معنى الشباب ، هل هو سن معينة ؟ أم هو القدرة على أن نعيش الأحلام ، و أن نغير وجه الدنيا حتى نحققها ؟ أم هو الطاقة الجارفة التي تجعلنا نمضي في طريق جديد كل يوم ، بلا سأم ، أو تعود ، أو توقع لما يمكن أن نواجهه ؟ أم هو الدهشة أمام كل حدث ، و القدرة على اكتشاف جديد في حقائق الحياة التي مرت بمليارات من البشر على مدى تاريخ الإنسانية ؟ أحيانا لا أستطيع حتى أن أتساءل .

و لكن معنى التساؤل نفسه يقلقني ، هل أفتقد الشباب ؟ هل أخاف من فقده ؟ هل أرى شخصا آخر في المرآة لم أعتد وجوده في حياتي من قبل ؟ هل أرفض دفع الثمن لما اكتسبته على مر السنين ؟

مراحل الحياة

قد يفتقد الإنسان فترة ما من حياته ، قد يفتقد مرحلة أو أشخاص أو أحداث ، و لكنه يعلم أن هذا الافتقاد بقدر ما هو مشروع ، بقدر ما هو حالم ، فالواقع أننا لا نستطيع أن نعود و نعيش مرحلة سابقة ، و حتى بافتراض أن هذا ممكن ، فإن تطور الإنسان ، و نضج شخصيته ، و نمو خبرته يحتم عليه أن يعيش مراحل جديدة ، له فيها اختيارات مختلفة ، و أولويات و قناعات و تحديات مختلفة .

و أنا أعتقد في صحة أننا لو عدنا في الزمن لاخترنا نفس اختياراتنا السابقة ، و أعتقد أيضا أنه لو أتيحت لنا الفرصة لاختيار العودة إلى مرحلة سابقة بالشخصية الحالية لاستحال الاختيار ، و لفضلنا الواقع الحالي ، ليس بالضرورة لأن الواقع أفضل ، و لكنه نتيجة اختياراتنا و ظروفنا ، و قد اكتسبنا المهارة اللازمة لكي نحيا هذه المرحلة من حياتنا و نتعامل معها .

و يبقى لنا المستقبل لنشكله بما لدينا من مخزون كونه الماضي بكل ما فيه ، و بما نملكه من أدوات الحاضر .

أحاول من جديد الرد على سؤال ماهية الشباب بناء على هذا الفهم ..

...

تعود لي ذاكرتي ، و فيما يشبه المصالحة ، أبتسم لنفسي و قد تذكرت باقي كلمات الأغنية ، ربما كانت جميلة حقا ، و لكن هذا ليس زمانها ، و أنا لم أعد ذات الشخص ، و لا أمتلك ذات المشاعر ، و أعرف جيدا كيف أتعامل مع هذا كله .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

* شكر خاص للفنان العزيز محمد الشناوي لتصميم و تنفيذ شعار رحايا العمر

29 يوليو 2008

رأي الناس

رأي الناس

علمني من فضلك

تعلمت منذ زمن طويل ألا أتغاضى عن كلمة سمعتها و لم أفهم معناها ، اعتدت أن أدون ملاحظة بها ثم أبحث عن معناها عندما تتاح لي الفرصة ، و كان هذا الأسلوب يضمن لي أن أتعلم كل يوم شيئا جديدا ، فما أكثر الحوارات و الاجتماعات التي أحضرها و أسمع فيها شيئا ما لم أكن أعرفه من قبل .

منذ وقت ليس بالطويل كنت أحضر أحد الاجتماعات عندما وجدت صديقي يرفع يده في أثناء النقاش و يسأل أسخف سؤال ممكن ، توزعت على وجوه الحاضرين نظرات بين استنكار و استخفاف ، بينما اكتفيت أنا بنظرة استفهام لأنني أعلم تماما براعة صديقي و سعة اطلاعه ، و ابتسم هو و قال ببراءة :

Its better to be dumb for a few minutes than to be dumb forever

فهمنا ما يقصده ، فالسؤال مهما بدا ساذجا أو سخيفا في هذا التوقيت إلا أنه سيتلقى إجابة ، و لن يكون على صديقي أن يطرح السؤال مرة أخرى ، أو أن ينتظر حتى يبحث عن إجابة لسؤاله بنفسه .

وجدت أن أسلوب صديقي يعتمد على طرح التساؤل في لحظة اكتشاف الحاجة للسؤال ، و تحمل رد فعل الآخرين ، بينما كنت أنتظر أنا ، و أتحمل تأخر الإجابة حتى تتسنى لي معرفتها . كانت مزايا أسلوب صديقي أنه يتعلم ما يجهله في الحال ، و يستفيد من معرفته هذه فورا ، و كانت مزايا أسلوبي أنني لا أعرض نفسي لرد فعل أكرهه ، و أنني أستطيع أن أعرف ما أريد بالقدر الذي أحتاجه ، و بدأت أفكر في أنسب المواقف لاستخدام أيا من الأسلوبين .

قررت أن أجرب أسلوب صديقي في السؤال عما أجهله فورا ، و حاولت فعلا ، و لكنني وجدته أسلوبا صعبا ! و اكتشفت أنني لا أحب هذا الأسلوب لأنني أخاف من رأي الناس ، و رغم أنني لم أكن أعاني من مشكلة في الاعتراف بأخطائي ، إلا أنني وجدتني أتأثر برأي الناس بشدة .

رأي الناس

كنت أعلم أن رأي الناس يعتمد في الأساس على مظهري ، و أسلوب كلامي ، ثم بمحتوى ما أقول ، و أخيرا بأفعالي ، و من العجيب أنك تجد الشخص المنمق صاحب المجاملات و الكلام الجميل هو الشخص صاحب الشعبية الأعلى ، بل و قد يفوز بثقة العديدين ، و يحب الكثيرون عادة أن يرضوه لأنهم يحبون أن يسمعوا منه حلو الكلام .

فهمت فيما بعد أن رأي الناس يتكون بسرعة من خلال المظاهر و الانطباعات ، ثم يتغير هذا الرأي و يتبلور مع الوقت و زيادة المعرفة ، و من خلال المواقف و ليس الكلام . و يسهل أن ترى من الناس من يطفو سريعا على السطح بسبب مواهبه الاجتماعية ، و لكن لا تلبث أن تتضح المواقف و أصحابها ، و يتميز أهل الثقة .

و اليوم مازلت أرى أن الانطباع الأول هام ، و أن رأي الناس السطحي مؤثر ، و لكنه ليس الأساس ، و أن الأفضل أن أكون نفسي ، و خير لي أن أبني ثقة من حولي خطوة بخطوة .

إن نظرة مدققة لمجتمعنا تظهر اهتماما مبالغا فيه لرأي الناس ، و بالتالي اهتمام بالمظهريات و القشور على حساب الحقيقة و المضمون ، و لعل كثير من آفات مجتمعنا و مشاكله تتعلق برأي الناس .

...

و حتى اليوم مازلت أحاول أن أمزج بين أسلوبي التعلم للحصول على أفضل نتيجة . و لكن ماذا عنك أنت يا صديقي ؟ هل سبقتني في هذا المجال ، أم أنك مازلت تتحسس خطواتك مراعاة لرأي الناس ؟

* اللوحة للفنان محمد حجي

...

تحديث : أشكر جميع الأصدقاء الأعزاء على تعليقاتهم ، و أظن أن هذه التعليقات تضم اضافات للموضوع لا حصر لها ، و أنصح كل من اهتم بموضوع المقالة أن يتابع التعليقات أيضا .

تحديث : أصداء رأي الناس صديقتي و النت في مدونة يوميات أم البنين

05 يونيو 2008

حسن نية

حسن نيةكان صديقي الذي يكبرني ببضعة أعوام دليلي في أشياء كثيرة ، ففي تلك السن كانت كل سنة تعني خبرات و مهارات و معلومات لا حصر لها . و من ضمن ما تعلمته من صديقي هذا أنه من حسن آداب زيارة الأصدقاء أن تذهب إليهم و معك شيئا تقتسمونه سويا ، و كان يسمي هذه الهدية "حسن نية" . و عادة ما كانت تعتبر زجاجة بيبسي (عفوا كان هذا قبل دعوات المقاطعة بنحو 10 سنوات!) حجم عائلي على سبيل المثال "حسن نية" معتبرة ، حيث كانت تضفي بهجة على دخول الزائر ، ثم يقتسمها الحاضرون سويا . و الأصل في الموضوع أن يثبت الزائر حسن نيته و رغبته في قضاء وقت مع صاحب البيت بطريقة عملية و لطيفة .

أصبحت حسن النية عادة متأصلة فينا ، و كانت تتنوع حسب الظروف ، و الوقت من السنة ، و نوع الزيارة نفسها . و كان الأصدقاء الجدد يكتسبون نفس العادة عنما يتزاورون معنا ، و أذكر في مرة أنني و صديقي كان لدينا مناسبة لدعوة عدد كبير من الأصدقاء ، و فوجئنا بكميات هائلة من حسن النية ، و كانت التقاليد تمنع إعادة حسن النية لأصحابها ، و هكذا قمنا بتقسيم حسن النية الموجودة لدينا على بيتينا ، و أصبحنا نهادي من يزورنا ، و نصر على ألا يقدمون حسن نية إلى حين .

سوء تفاهم

سوء تفاهم في إحدى المرات و قبل زيارة أحد الأصدقاء الجدد طلبت منه في التليفون "هات معاك حسن نية" ، و لم يكن هذا الصديق يعلم ما هي "يعني إيه؟" ، فقلت له : "أي حاجة نتسلى و احنا قاعدين مع بعض" ، قال لي "طيب ، حاجيب حسن نية" . لم أوضح لصديقي أن حسن النية عادة ما تكون من المشروبات و خاصة في الصيف ، و هكذا عندما جاء "إيه ده؟" ، قال : "حسن نية" ، قلت له : "ده لب!" ، قال لي : "و إيه يعني؟" ، قلت له : "ما ينفعش حسن النية تبقى لب!" ، فقال بلهجته العملية : "خلاص ، اعتبره سوء تفاهم" ، كان الموقف مضحكا ، و لكننا اعتدنا أن نطلب من صديقنا هذا "سوء تفاهم" من وقت لآخر .

و في الحقيقة أن صديقي هذا أصبح من أقرب أصدقائي ، و على مدى أكثر من خمسة عشر سنة من الدراسة و العمل و التعامل سويا مرت علينا لحظات كثيرة من سوء التفاهم ، كان سوء التفاهم يتسبب في مشاكل بسيطة أحيانا ، و كان يترك آثارا عميقة في أحيان أخرى ، و لكن الجميل في علاقتنا أن حسن النية كانت دائما تتدخل لصالح الصداقة فتزيل سوء التفاهم ، و تعيد المودة و التآلف المعتادين .

و في المقابل رأيت الكثير من المواقف التي تنتهي نهايات غير مفهومة و غير مرغوبة ، نهايات لا تستطيع أن تفسرها إلا بمعرفة أن سوء النية قد تدخل ليفسد علاقات و يشتت صداقات ، ربما بشكل لا يمكن أن يفسره أي سوء تفاهم ، و لا يمكن حله إلا بحسن النية .

23 مايو 2008

مدونات مصرية "للقلب"

مدونات مصرية كان اللقاء مختلفا ، أن تلتقي بمن قرأتهم قبل أن تراهم ، هم سكنوا القلب قبل العين ، و كانت مدوناتهم المصرية للقلب ، و ليست للجيب .

الإحساس العام كان إنها حفلة تنكرية ، أشخاص تعرفهم بأقلامهم ، فإذا رأيت وجوههم ظننت أنهم متنكرين ، "انت مين؟ ، "أنا رحايا العمر!" ، "كنت متأكد!" .

الحقيقي و الغريب أني ظننت أنني عرفتهم بوجوههم قبل لقائهم ، فكلما تعرفت على أحد المدونين أو إحدى المدونات أخذت أفكر بدون أن أفصح "أظن أنني أعرفه من قبل .. لست أدري أين أو متى" ، غاب عني وقتها أن القلوب تلتقي عند ربها ، و لابد أن هذا هو التفسير الحقيقي ، فحتى الآن أحاول أن أتذكر أين و متى قابلت أصحاب مدونات إنكسارات ، يا مراكبي ، عصفور المدينة ، لماضة ، و غيرهم و غيرهم من قبل .

لقد سعدت باللقاء بغض النظر عن الأسماء التي نشر لها و التي لم ينشر لها ، و أكثر ما أسعدني هو معنى الحدث ، و الذي أرجو أن يكون بداية ثورة فكرية في بلادنا ، فنرى أيضا مدونات للجيب أردنية ، و سعودية ، و عراقية ، الخ . و أقول بداية ثورة فكرية لأن الفرصة جاءت لكي يدلي الجميع بدلوه ، و ليقرأ الناس رأيا و فكرا مختلفا بعدما تعودوا على الرأي الواحد و الفكر الواحد ، و لتكون لدينا ثقافة اختلاف و حوار ، و لنبدأ في أن نفكر لأنفسنا و لا ننتظر أن يفكر لنا أحد ، و لنبدأ عملية الإصلاح بحركة فكرية و التي هي الأساس المحرك لأي حركة أخرى موازية .

مبروك للمدونين خروجهم من الفضاء الرقمي إلى الفضاء الواقعي .

17 مايو 2008

الحب في الله

قال : إني أحبك في الله

قلت : أحبك الذي أحببتني فيه ، بس مانا عارف

قال : عارف إيه ؟

قلت : إنك بتحبني في الله

الحب في الله

قال باسما : طيب و عرفت إزاي ؟

قلت : لأني أنا كمان أحبك في الله

قال : و هو شرط ؟

قلت : إنت ماتعرفش إن الحب في الله ده معجزة من ربنا ، و إنه من علامات وجوده سبحانه و تعالى ؟

قال : لأ اشرحها لي دي

قلت : شوف يا سيدي من نعم الله سبحانه و تعالى إنه يجعل القلوب المتحابه فيه تتبادل الحب ده و ميتغيرش فيها ، فتلاقي اللي انت بتحبه في الله بيحبك برضه حتى لو لسة متعرفين حالا .

قال : قصدك إيه إنه يخلي الحب مايتغيرش في قلوبهم ؟

قلت : جميع أنواع الحب بتكون مرتبطة بحاجات طارئة و متغيرة إلا الحب في الله ، يعني اللي بيحب عشان الجمال حبه يتغير مع الأيام لأن الجمال بيروح ، و اللي بيحب عشان الصحبة حبه يتغير مع البعد ، و هكذا ، لكن اللي بيحب في الله حبه يفضل ثابت لأنه مرتبط برب العرش .

قال : انت عندك حق فعلا ، يعني إحنا مثلا مش بنتقابل غير نادرا ، و لا حتى بنتكلم في التليفون غير كل كام شهر ، و مع ذلك دايما لما نتكلم أحس إننا كنا لسه مع بعض ، مش باحس بالجفوة و التغيير زي ما باحس مع ناس تانية ..

قلت : و أنا دايما أفتكرك لما أدعو لإخواني و أحبائي في الله .

قال : سبحان الله ، أنا كمان نفس الشئ ، يا أخي الحمد لله على نعمه الظاهرة و الباطنة ، و ربنا يديم الحب ده بيننا ، لكن انت عرفت الحاجات القيمة دي منين ؟

قلت ضاحكا : صلي على النبي .. أنا مرة قلت لواحد عزيز قوي على قلبي إني أحبك في الله فقال لي : أحبك الذي أحببتني فيه ، بس مانا عارف .. فقلت له عارف إيه ؟ .. قال لي عارف إنك بتحبني .......

27 أبريل 2008

حنين للوطن (2)

حنين للوطن

كنت أتحدث مع صديق لي عندما لاحظ أنني أتحدث بضيق ، و ربما بتوتر عن موضوع السفر إلى الخارج .

قال لي : أنا لا أفهم ، أتريد السفر أم البقاء ؟

قلت : أحيانا أريد السفر ، و لكنني أرى ضرورة البقاء .

قال : ماذا تقصد بضرورة البقاء ؟

قلت : لا أخفي عليك أنني اتخذت قرارا عند تخرجي من الجامعة ألا أقيم إقامة دائمة أو طويلة خارج هذا البلد ، و ذلك لإيماني أن الوضع المتدهور الذي وصلنا إليه إنما يتطلب مجهودات الجميع ، و أن الخروج بغير ضرورة إنما هو هروب من هذا الوضع ، كما أن لبلدنا ضريبة خدمته و بنائه .

قال : كلام جميل ، و لكن ليس كل السفر هروبا ..

قلت : موافق ، و لذلك قلت إلا في حالة الضرورة ، و أنا لست مضطرا ..

قال : إذا لماذا تريد السفر أحيانا ؟

قلت : لأن حلم الهروب لايزال يراودني ! إن الاختيار الأسهل هو أن أكون جزءا من منظومة ناجحة ، و أن أحيا حياة مريحة أنا و أسرتي ، و لن أكرر لك مشاكل بلدنا التي تعرفها جيدا و التي نشكو منها يوميا .

أطلقت بصري بعيدا و أكملت : و في المقابل أفكر دائما فيما أنجزت هنا في بلدي .. هل كان وجودي في هذا البلد جزءا من نجاحه ؟ أي نجاح !؟ هل استطعت خلال كل هذه السنين أن أحقق أيا من أحلامي التي تمنيت أن أكون جزءا منها لجعل هذا البلد مكانا أفضل لأبنائي ؟ هل مجرد وجودي هنا هو عامل بناء ، أم معول آخر للهدم ؟

أطرق صاحبي للحظات ثم قال : إسمع يا صديقي ، إن كنت تعتقد أنك مواطن صالح و شريف ، تعمل من أجل بناء هذا البلد ، و تربي أبناءك على قيم أصبحنا نفتقدها في مجتمعنا ، و تحاول أن تكون نموذجا لغيرك لإصلاح ما أفسده المفسدون ، و تستطيع أن تحتفظ بنقائك في وسط هذا الكم من الظلم و الفساد و العشوائية التي وصلنا إليه ، و الأهم أن تكون نيتك في هذا كله خالصة لوجه الله ، إن كنت هذا كله فوجودك في مصر إنما هو جهاد و إصلاح ، و كل نموذج خير موجود إنما يثبت و يقوي غيره من نماذج الخير يحميها من الإنحراف و الإنجراف ، و يعمل على أن يكون "خميرة" خير تعد بلدنا و الأجيال القادمة لتكون مصرنا أفضل . فلا تفقد إيمانك القديم أبدا .

قلت له : صدقت ، فما يزال بي حنين لمصر أفضل .

هل قرأت حنين للوطن ؟

22 أبريل 2008

حنين للوطن

رحت أتذكر ملامح وجهه ، نغمات صوته ، و حركات يديه ، كان يجلس على هذا المقعد بجانبي منذ يومين .

سافر صديقي بعد صراع طويل داخل بلده ، سافر بعدما استنفذ السبل و أخذ بجميع الأسباب ، توكل على الله و راح يسقي أرضا غير أرضه . عوامل الطرد غربته في وطنه ، فراح يبحث عن وطن في غربته .

قال لي قبيل سفره: إني أتمثل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أخرج من مكة و هو يذرف الدمع و يقول: "والله إنك لأحب بلاد الله إليّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ" ، أو كما قال صلى الله عليه و سلم .

حنين للوطنالقصة رقم ألف هي في مسلسل نزيف الأعزاء إلى خارج الحدود ، فكثير من أصدقائي سافر و عاد ، و أكثرهم لا يعود . فمع اختلاف الدوافع و الأسباب ، و رغم وطأة الإحساس الصعب بالفقد و الافتقاد يسافر الجميع ، أو يهرب ، أو يهاجر . و الغريب أن معظم من يترك البلد يكون متميزا جدا في مجاله ، و قد يصعب تعويض غيابه على المستويين المهني و الشخصي ، و الأغرب أن أكثرهم يذوب عشقا في مصر .

فهل تطردنا بلدنا لأننا أثقلنا عليها ؟ أم يحاول البعض أن يجتثنا منها ليسهل عليه تفكيكها و بيعها ؟

و كأن الغربة التي أصابتنا داخل الوطن بسبب غموض المصير و تغير الاستراتيجيات و تألق المحتكرين و الفاسدين و اختفاء بوصلة الصواب ، و كأن هذه الغربة كان ينقصها أيضا تغيب الأهل و الأصدقاء و الأحباب . هؤلاء الذين أبحث عنهم الآن فلا أجدهم .. فيدهمني حنين للوطن .

و للحديث بقية إن شاء الله . (حنين للوطن 2)