‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحايا العمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحايا العمر. إظهار كافة الرسائل

05 يناير 2013

عهد التحرير والتعمير

ترى رجلا سوريا في المسجد، تتفرسه العيون، تبحث فيه عن بطولة من رأى الموت والخراب، ورغم ذلك عاش..

تسأل نفسك عن سوريا، فإجابة السؤال هنا، لا هناك، تذكر وقت أن كانت سوريا توأم مصر، وقت أن كان اسم اللعبة: مصر - سوريا..

تذكر بكائك يوم سقوط بغداد، وتسمع صوتا كريها يحمّل أهلها المسئولية، ويقول لو كانت سوريا لما سكتنا، واليوم أكثر الأصوات كريهة..

ترسم خط العمر يمر بمحطات خراب كل مدينة تحبها، كل مدينة كانت جزء من تاريخك الشخصي، مدن الأمة مستباحة على مر العمر..

تعاهد نفسك ألا تموت إلا على أعتاب إحداها، إما محررا لها من المحتلين أو الطغاة، أو معمرا لها من آثار العدوان والخراب..

ثم تذكر أن كل خطط التحرير والتعمير تمر من مدينتك هذه، هذه المدينة التي ما كادت تتحرر، وما بدأت تتعمر بعد..

ثم تستعين بالله..


تعليقات الفيس بوك


26 سبتمبر 2009

عودة

عودة صحوة مفاجئة تمر بي ، أتفحص في الوجوه المحيطة ، لأجدني أفتقد الحقيقة .

كان وعيي يتشكل ببطء و أنا أنتقل من منطقة الأحلام الرمادية إلى ملامح الحياة بألوانها ، باهتة كانت أم زاهية ، رحت أتطلع بشوق إلى وجوه أفتقدها ، لم تكن العودة مجرد صحوة من النوم ، و إنما كانت انبعاثا إلى حياة .

مرت الشهور بعيدا عن رحايا العمر ، افتقدت وجودي هنا ، و فكرت كثيرا في العودة ، و لكن الوقت المناسب لم يجئ بسرعة ، و أقلقتني فكرة تعقد الحياة بشكل لا يسمح لنا أحيانا بممارسة ما قد نعتبره حقا لنا أو للآخرين ، أو واجبا علينا أو على الآخرين .

...

ماذا كنت أفعل ؟ عمل و سفر و فرح و موت و ميلاد .. و هل يمكن تلخيص الحياة ؟

و على كل فإن بعض الأحداث لا يمكنني أن أغفل ذكرها :

  • كانت العمرة رحلة هامة و جميلة ، حملت من الهبات و النعم ما يفوق إدراكي ، فهمت خلالها بعض أقنعة الحياة ، و قابلت فيها أخا عزيزا و كريما من المملكة السعودية هو الأخ علي محمد .
  • ظننت دائما أنني سأشهد حفل توقيع أول كتاب لصديقي المهندس أحمد القاضي ، فإذا بالكتاب ينشر و ينتشر ، و أغيب أنا .
  • كانت زيارة أطفال أبو الريش و ذويهم مع المدونين واحة وسط صحراء البعد ، و امتزجت الفرحة بالخجل لأنني شعرت وسط المدونين أنني لم أبتعد أبدا .
  • حمل إلي رمضان وعدا متجددا بالرحمة و المغفرة ، و رحل و أنا مسرف لا أقنط من رحمة الله .
  • كانت التعليقات و الرسائل و المكالمات التي أتلقاها من وقت لآخر تحمل إلي نسائم رحايا العمر ، و تجعلني أسأل نفسي دائما عن موعد العودة .

جري الإنسان

أحيانا أنظر إلى نفسي و إلى الناس من حولي لأجدنا نجري في كل اتجاه ، كلنا نجري في اتجاهات مختلفة ، كل منا يحمل في يده أشياء مختلفة ، أو يدفعها أمامه ، أو يجرها خلفه ، أو يحملها فوق ظهره !

تتقاطع الدروب فنصطدم في الطريق و نسقط ، ثم نقوم لنجري و نتعب ، ثم نجلس لنرتاح ، و لا نرتضي الراحة فنقوم من جديد و نجري .

في الطريق نبحث عن الأحلام ، أو عن السعادة ، أو عن الحرية ، نبحث عما لا نعرفه ، و لكننا لا نرتاح طالما لم نجده بعد . يدق كل منا أبواب عديدة تقابله في الطريق ، ليفتح لنا أناس أغراب ، نتفحصهم و نبحث لديهم عما نريد ، و بمعرفتهم نكتشف أن الرحلة لم تنته ، و نبدأ البحث من جديد .

لا أحلام فرويد و لا قوة نيتشة و لا نسبية أينشتين و لا اقتصاد ماركس و لا أية نظرية إنسانية تفسر سر جري الإنسان المستمر ، بينما ترن في أذني كلمات " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " ، و أتعجب من معنى الكدح ما بين التعب و الجهد و الكد و العمل و السعي و العودة ..

فما رأيك أنت ؟ لماذا يجري الإنسان ، و إلى أين ؟

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

 

16 مايو 2009

مشروع العمر

اشتهرت العديد من الشخصيات التاريخية أو العامة المعاصرة بإنجازات محددة ، فعلى سبيل المثال محمد الفاتح هو صاحب الفتح الأسطوري للقسطنطينية و من ثم تحويلها لعاصمة الإسلام السياسية لقرون عدة ، و صلاح الدين الأيوبي لا يذكر إلا و تذكر معه القدس و تحريرها من استعمار الحروب الصليبية ، و الإمام أبو حامد الغزالي هو مجدد الدين في القرن الخامس الهجري .

و في التاريخ الحديث غاندي هو طارد الاستعمار البريطاني من الهند بالمقاومة السلمية ، و أحمد شوقي هو أمير الشعراء و أعظم شعراء العربية منذ أيام المتنبي و أبو العلاء ، و حسن البنا هو مؤسس حركة توحيد و تجديد إسلامية كان تأثيرها أكبر من دعوات السنوسي و الأفغاني و محمد عبده و غيرهم ، و عبد الرزاق السنهوري هو أشهر فقيه و دستوري وضع الدساتير و القانون المدني في العديد من الدول العربية .

و النماذج عديدة بلا حصر على مستويات و في مجالات مختلفة ، و لكن يجمع بينها جميعا أن الإنجاز الأساسي أو "مشروع العمر" لكل منها يتحول إلى بطاقة تعريف لصاحبه ، فيلازم اسمه ، و يحدد الحقيقة الباقية منه ، و سر وجوده في هذا العالم .

مشاريع

رأيت في حياتي من له مشروع عمر هو بناء بيت يسكن فيه مع أولاده ، و يبذل في سبيل ذلك الوقت و الجهد و المال ، ربما إلى الحد الذي يحرمه من رؤية أبناءه ، و هناك من مشروع عمره هو تعليم ابنه حتى يصبح طبيبا ، أو حتى يصبح أستاذا جامعيا ، و هناك من يعتبر أن مشروع العمر هو تزويج أبناءه و بناته .
...
رأيت من كان مشروعه هو رفع الظلم عن فئة بعينها ، حتى لو كان الثمن هو ظلم يقع عليه هو شخصيا ، و هناك من يتخذ من الفكر ميدانا فيكون مشروعه كتاب ينشره ، أو فكرة يعلمها للناس ، و هناك من يعيش حياته كلها ليبني مدرسة ، أو مستشفى ، أو مسجد ، أو محطة مياه ، أو جسر ، أو أكبر من ذلك أو أصغر .
...
رأيت أيضا من لا مشاريع لهم ! فإما أنهم يفتقدون
الهدف كليا فلا يبحثون عنه و لا يعملون من أجله ، و لا يشغل هذا بالهم على الإطلاق ، أو أنهم يعملون بلا نهاية في سبيل مال أو متعة أو شهرة أو سلطة لا تنتهي ، و لا غاية لهم إلا الاستمرار فيها ، كأنها فعلا لا تنتهي .
كما رأيت كثيرا ممن يبحثون في أنفسهم و فيما حولهم عن مشروع العمر ، فيقضون زمنا قصيرا أو طويلا لاكتشاف أنفسهم و اكتشاف مشاريعهم ، لكي يتمكنوا من بدء الحياة الحقيقية ، و بعضهم يحتفظ بها ك
مشاريع مؤجلة .
مشروع عمرك

و الآن هل تعرف من أي نوع أنت ؟ هل تعرف مشروع عمرك ، و هل تعرف من أنت في الحقيقة ؟
يمكنك أن تفكر الآن و لو للحظات في
حقيقة من تكون ، و كيف يمكن أن تحقق ذاتك من خلال مشروع عمرك . إن هذا السؤال قد يغير حياتك ، و لهذا فهو جدير بالإجابة ، و جدير بأن نشغل أنفسنا جميعا به .
فهل تعرف ما هو مشروع العمر ؟


* اللوحة للفنان محمد حجي

14 فبراير 2009

مشاريع مؤجلة

مشاريع مؤجلة كتب متراكمة من حولي في كل مكان بنية أن أقرأها ، بعضها جديد لم أفتحها ، و بعضها قرأت أجزاء منها ، و البعض الآخر أحب أن أعيد قراءتها من آن لآخر ، أتلمس فرصة لأفرغ منها و أنقلها لمكتبتي .

عشرات المقالات في الريدر تنتظرني يوميا ، أصر على أن أتصفحها كلما استطعت ، في بعض الأحيان أمسحها لضيق الوقت ، و أنا أعلم أنني لو قرأت العناوين لفضلت قراءة بعض المقالات ، و قد أحفظ بعضها للرجوع إليها فيما بعد .

يوجد في حسابات بريدي الإلكتروني المختلفة مئات الرسائل التي أحتفظ بها انتظارا "للوقت المناسب" ، نادرا ما يأتي هذا الوقت لأمسحها أو أصنفها أو أكتشف ما بها من كنوز .

لدي أصدقاء أحتفظ بأرقامهم منذ سنين لأتصل بهم – ناهيك عن لقائهم – حينما تسنح فرصة ، قد أجدها ، و قد تجدني ، فتزرع إشراقات في نفسي و نفوس تكاد تنساني .

من آن لآخر أحس بهمّ آلاف الكتب و البرامج المكدسة على CDs و DVDs في انتظار أن أستغلها ، بينما لن يكفي عمري لاستكشافها ، و مع ذلك مازلت أشتري و أقوم بتنزيل الجديد غيرها .

ملايين التفاصيل تتراص و تتزاحم و تتراكم في انتظاري ، أستقبلها أنا ، و يتسع أملي في أن تكون لدي القدرة على التعامل معها ، و أنتظر فراغي بصبر لأملأه بها ، فإذا بالفراغ مفهوم مراوغ ، لأنه مشغول من قبل أن يفرغ ! فأشتاق لفراغ حقيقي .

أفكار مؤجلة

مشاريع مؤجلة 2 أجندتي تمتلئ بأفكار للكتابة ، تنتظرني الأفكار ، و أنتظر أنا الفرصة لأضيف إليها الصياغة و المعلومات و السياق المناسب ، و تراوغني إمكانيات الوقت و الفكر و الصنعة ، فتتأجل مشاريع الأفكار .

كما تضيف المشاريع المؤجلة أبعادا جديدة للحياة ، تبعث فيها الأمل و الطموح و الرغبة في التطور ، إلا أنها قد تشكل عبئا إذا لم تراع توازن الرغبات و الإمكانيات .

أحيانا ما أتساءل هل تتاح لي فرصة تحقيق المشاريع المؤجلة ؟ و يبقى مشروع الكتابة و الأفكار المنتظرة ، هل تستحق الانتظار ؟ هل هي جديرة بإقحامها في قائمة مشاريع العمر ؟

لقد حملت لي تجربة كتابة رحايا العمر – و في خلال أقل من سنة – حملت أفكارا و أحداثا و أشخاصا أضافت عنصرا جديدا إلى قائمة مزدحمة بالفعل ، كما أنها شكلت تحديا جميلا يختلف عن المعتاد ، و هو في النهاية تحديا اختياريا ، و لكن ثمنه فادح فكرا و وقتا .

و رغم وجود الرغبة في استكمال المشروع ، و النجاح في تحقيق أهدافه ، إلا أن إمكانيات التنفيذ تظل مراوغة .

فهل يعني هذا هدنة ، أم أنه يعني نهاية ، أم أنه تأجيلا لمشروع آخر ؟ لا أدري بعد ، و لكنني أتمنى كالعادة تحقيقه ككل المشاريع المؤجلة .

تزدحم في ذهني من جديد أفكار مختلفة للمقالة القادمة ، و لكن هل سأكتبها ؟ لا أدري أيضا ، و لكنني أقول لنفسي حتى الآن : أفعل إن شاء الله .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

15 نوفمبر 2008

وعكة

وعكة كان الوقت نهارا ، و حركة العالم على أشدها ، و كان هو في القلب من هذه الحركة ، لم يدع في هذا اليوم نشاطا إلا و قام به ، و بدا له كأنما امتلك مفاتح القوة .

بدأ الأمر بسيطا ، ثم اشتد ، أوحى لنفسه أن كل شيئا طبيعيا ، استكمل يومه بنفس الهمة ، و في لحظة واحدة تهاوى .

لقد مر بوعكة صحية ، جعلت من حوله يندهشون كيف لم يشعروا بها قبل حدوثها ، لم تكن هناك مقدمات ، و كان هو صاحب النصيب الأكبر من الدهشة .

مرت عليه لحظات من الألم ، شعر خلالها بالضعف و الحاجة إلى المساعدة ، بحث في ذهنه عن إحساسه السابق بالقوة ، أخذ يتساءل عن أسبابه ، و لكنه لم يجد أيا من هذه الأسباب ، ما كانت القوة إلا مظاهرا و غرورا .

في أثناء تعبه مرت بذهنه خاطرة غريبة : "ترى هل أموت؟" ، لم يكن الأمر يستوجب ، و قال لنفسه : "لا أعتقد أن النهاية ستبدو كذلك" ، و لكنه في الواقع لا يدري كيف ستبدو النهاية ، و خطر له شيء آخر : "عندما تأتي لحظة الموت ، أتمنى ألا أمر بنفس هذا الإحساس من التعب و الألم" ، و لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن لحظة الموت ستكون أشد وطئا .

أحس أن المرض أشبه بالوقوع في البحر من على سفينة ، يناضل في البحر من أجل الحياة – مجرد الحياة ، يناوشه الغرق ، و ينهكه الصراع ، و عندما تمتد له يد المساعدة ، فتنتشله قوارب النجاة ، أو يصل إلى بر الأمان ، يحس وقتها أنه فاز و نجا من الكرب العظيم .

ترى إن أقبلت ساعة النهاية ، هل سيكون عليه أن يفكر في هذه الأشياء ؟ أم أنه سينشغل بأمور أخرى ؟

...

وعكة 1 "ليس هناك داع للقلق" ، قالها الطبيب ، و معها إرشادات العلاج ، إلا أنه مطالب بالتوقف ، و التقاط الأنفاس ، تساءل بقلق : "و لكن هذا يعني البقاء في الفراش!" ، و لم يكن لدى الطبيب استعداد للتفاوض في هذا الشأن .

...

أحيانا يفتقد الإنسان التوازن فيندفع في بعض جوانب حياته ، و يهمل جوانب أخرى ، فيسبب ذلك الاندفاع اختلالا في الحياة كلها يفقده الاتزان ، و يسلبه الاختيار .

و رغم ذلك يكرر الإنسان هذا ، و ينسى أن لديه في النهاية قدرات محدودة ، و عليه أن يسير في حياته وفقا لأولوياته ، و عليه أن يسعى ما وسعه السعي ، و ليس عليه إدراك النجاح في كل نواحي الحياة ، و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

قد يركن البعض منا إلى الراحة و الدعة ، فيخسرون كل هدف في الحياة ، و البعض الآخر منا قد يستنفذ طاقته و حياته في الجري وراء الأهداف ، و قد يحترف بعضنا الشكوى و البكاء و الحيرة ، و لا يفلح حقا إلا من استطاع أن يحدد أولوياته ، و أهم أهدافه ، و سعى لها سعيها ، و علم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

...

عندما احتدم الموج من حولي ، و وجدت الماء يسد الطريق بيني و بين الحياة ، نسيت قوارب النجاة ، و يئست من ملامسة قدمي لأرض ، و ابتل قلبي بحزن عميق بعمق البحر ، وجدت اسمك يجري على شفتي ، و لهج لساني بذكرك ، و تذكرت بحارا كثيرة سقطت فيها ، و أنقذتني منها بقوتك و فضلك – بحار مرض ، و بحار فشل ، و بحار حيرة ، و بحار يأس ، و بحار خوف ، و بحار وحدة ، و بحار ألم ، و بحار ضعف ، و بحار ملل ، و بحار غباء ، و غيرها الكثير .

يا رب نجني ، و كن ناصري و معيني ، برحمتك استغيث ، أصلح لي شأني كله ، و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين .

...

بعد انتهاء الوعكة ، و عودة الأمور إلى طبيعتها ، ظل يذكر ما مر به ، و ما عرف من الحق ، و ناجى ربه من جديد :

يا رب قد تجف قدميّ ، و تسرع خطواتي ، و رغم الأرض الصلبة من تحتي ، إلا أنني أعلم أنها ما هي إلا جزيرة وسط البحار المتلاطمة ، و أن اليم ينتظرني ، و ألا مهرب لي منك سواك .

* اللوحة للفنان محمد حجي

* تحديث : إقرأ باب فى نهاية النفق لأحمد عبد العدل ، و وعكة جنة

16 أغسطس 2008

وهم الشباب

وهم الشباب

في وسط انهماكي الشديد أخذت أردد كلمات أغنية قديمة في سري ، وجدت أنني نسيت الكثير من كلماتها ، عدد الكلمات التي تسربت من خلايا مخي مثل عدد السنين التي تسربت من عمري ، تربكني المقارنة فلا أعرف كم ضيعت و كم أبقيت ..

إحنا زمان كنا الزمان

كنا الهوى من غير هوان

كنا الأمان من غير حدود

تسيطر على فكري هواجس مقلقة بخصوص الفقد و البقاء ، و ما يمكن تذكره ، و ما تم نسيانه إلى الأبد ، أطرد هواجسي و أواصل عملي ، أستغرق فيه لبعض الوقت ، عندما يتشتت تركيزي ثانية أندهش أن الهواجس مازالت مسيطرة على جميع أبواب العقل ، و يلح علي خاطر سخيف أن أبحث عن كلمات الأغنية لأتذكر ما نسيت من كلماتها و أهدأ ، لقد مرت سنوات طويلة و أنا أعتبر نفسي لا أسمع أغاني إلا فيما ندر ، و لم أعد أعرف أسماء المطربين إلا ما يفرضه علي المجتمع في وسائل الإعلام و على ألسنة الناس ..

الوهم مات

والذكريات قالت لي حبك بالوجود

يا ريت تعود

أطرد الأفكار ، و ألجأ هذه المرة إلى نشاط مختلف تماما يستنزف جهدي و تركيزي ، و حالما أفرغ منه أجد أن الرغبة في التذكر تعود من جديد ، و كأنما استعادة الذكريات يعيد أحداثها إلى الحياة ، و كأنما اجترار الأحزان و الأفراح يعيد دورة العمر من بدايته ، إنها نفس الأغنية مرة أخرى ..

عمري اللي راح

سماح سماح

ماذا يقول بعدها ؟ لا أستطيع أن أتذكر ، و رغم أنني مازلت أذكر صديقي الذي أسمعني هذه الأغنية لأول مرة ، و أذكر تفاصيل كلامه ، و تعبيرات وجهه ، بل إنني أذكر ما أحسست به في تلك اللحظة ، إلا أنني أنسى كلمات الأغنية . لقد نسيت ما يمكنني أن أستعيده ، فلابد أنني واجد الأغنية على الإنترنت لو أردت ، و لكنني لم أنس ما لا يمكن استعادته من أشخاص و لحظات و مشاعر راح زمانها ، و راحت إلى الأبد .

السؤال

في بعض الأحيان أتساءل عن معنى الشباب ، هل هو سن معينة ؟ أم هو القدرة على أن نعيش الأحلام ، و أن نغير وجه الدنيا حتى نحققها ؟ أم هو الطاقة الجارفة التي تجعلنا نمضي في طريق جديد كل يوم ، بلا سأم ، أو تعود ، أو توقع لما يمكن أن نواجهه ؟ أم هو الدهشة أمام كل حدث ، و القدرة على اكتشاف جديد في حقائق الحياة التي مرت بمليارات من البشر على مدى تاريخ الإنسانية ؟ أحيانا لا أستطيع حتى أن أتساءل .

و لكن معنى التساؤل نفسه يقلقني ، هل أفتقد الشباب ؟ هل أخاف من فقده ؟ هل أرى شخصا آخر في المرآة لم أعتد وجوده في حياتي من قبل ؟ هل أرفض دفع الثمن لما اكتسبته على مر السنين ؟

مراحل الحياة

قد يفتقد الإنسان فترة ما من حياته ، قد يفتقد مرحلة أو أشخاص أو أحداث ، و لكنه يعلم أن هذا الافتقاد بقدر ما هو مشروع ، بقدر ما هو حالم ، فالواقع أننا لا نستطيع أن نعود و نعيش مرحلة سابقة ، و حتى بافتراض أن هذا ممكن ، فإن تطور الإنسان ، و نضج شخصيته ، و نمو خبرته يحتم عليه أن يعيش مراحل جديدة ، له فيها اختيارات مختلفة ، و أولويات و قناعات و تحديات مختلفة .

و أنا أعتقد في صحة أننا لو عدنا في الزمن لاخترنا نفس اختياراتنا السابقة ، و أعتقد أيضا أنه لو أتيحت لنا الفرصة لاختيار العودة إلى مرحلة سابقة بالشخصية الحالية لاستحال الاختيار ، و لفضلنا الواقع الحالي ، ليس بالضرورة لأن الواقع أفضل ، و لكنه نتيجة اختياراتنا و ظروفنا ، و قد اكتسبنا المهارة اللازمة لكي نحيا هذه المرحلة من حياتنا و نتعامل معها .

و يبقى لنا المستقبل لنشكله بما لدينا من مخزون كونه الماضي بكل ما فيه ، و بما نملكه من أدوات الحاضر .

أحاول من جديد الرد على سؤال ماهية الشباب بناء على هذا الفهم ..

...

تعود لي ذاكرتي ، و فيما يشبه المصالحة ، أبتسم لنفسي و قد تذكرت باقي كلمات الأغنية ، ربما كانت جميلة حقا ، و لكن هذا ليس زمانها ، و أنا لم أعد ذات الشخص ، و لا أمتلك ذات المشاعر ، و أعرف جيدا كيف أتعامل مع هذا كله .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

* شكر خاص للفنان العزيز محمد الشناوي لتصميم و تنفيذ شعار رحايا العمر

23 يوليو 2008

الصدمة

الصدمة

هل تذكر أول صدمة تعرضت لها في حياتك ؟ ربما كان ذلك منذ عهد بعيد جدا ، فهل تستطيع أن تتذكرها حقا ؟

هل كانت صدمة أنك لست الملاك البريء الذي كنت تظنه ؟ هل هي صدمة أن أباك ليس أقوى و أشرف رجل في العالم ؟ هل هي صدمة أن أمك ليست أجمل امرأة في العالم ؟ هل هي صدمة أنك لست الطفل المدلل المحبوب من الجميع ؟ هل هي صدمة أنك قابل للكسر مع أول يد أو ساق وضعت في الجبس ؟ هل هي صدمة أن هناك من لا يبتلع دعاباتك ؟ هل هي صدمة أنك إنسان عادي مثل مليارات من البشر ؟

لعلها كانت صدمة التعرض للموت ، و اكتشاف أن حياتنا كما نعرفها ليست إلا فصلا في رواية تتعدد فصولا ، أو لعلها صدمة الخوف من العالم القاسي الشرير من حولك ، و أنت بريء و طاهر ، أو هي صدمة الحزن العميق الذي وجدت أنك تعانيه وحيدا ، و لا يمكن حتى لأقرب الناس أن يدفعه عنك .

هل هي صدمة الحب الأول ، حينما عزفت لك الحياة سيمفونية عظيمة ، ثم اكتشفت أن من حولك لا يسمعون إلا نشازا ؟

هل كانت صدمة أول صفعة زلزلت كيانك ، وقتما أحسست بالعجز أو بالظلم أو بالحرمان ؟ أم كانت صدمة المواجهة ، عندما وقفت وحيدا تحاول الدفاع عن نفسك ، فوجدت أنك لا تملك ورقة توت تستر بها نفسك ؟

هل هي صدمة معرفة حقائق مخجلة ، ترفض حتى اليوم البوح بها لأقرب الناس ، و قد تهرب حتى من مواجهة نفسك بها ؟

كيف كانت صدمتك عندما علمت أن أمجاد بلادك ما هي إلا تاريخ ، و قد يكون بعضها أساطير ، و أننا نعيش واقعا سيئا حقا ؟

النضج

إن هذه الصدمات بما فيها الصدمة الأولى تخلع الإنسان من نفسه ، تحوله إلى شخص آخر ، و سلامتك النفسية تتوقف على مدى تقبلك لهذه الصدمات ، و على أسلوبك في مواجهتها ، و كيف تنمي نفسك حتى لا تتحول كل تجربة تمر بك إلى صدمة .

إن هذا هو ما يسمونه النضج ، أن تكتوي بنار التجربة ، فتتغير أفكارك و قناعاتك ، بل و تتغير أنت ذاتك .

يستمر تعرض الإنسان إلى الصدمات خلال سنين عمره ، و ذلك إذا ظلت نفسه محور اهتمامه ، فلا يفكر في الناس و لا يرى الكون من حوله سوى أفلاك تدور حول نفسه . يشبه ذلك إحساس الطفل أن باقي العالم من أناس لا يعرفهم يلعبون دور الكومبارس ، فقط ليجدهم هو يمرون في خلفية مشاهد حياته ، تمت الإشارة إلى هذا الاعتقاد بشكل درامي و موحي في فيلم ترومان شو .

و لذلك قد نرى شخصين يتعرضان لنفس المشكلة ، و نجد أحدهما يتعامل معها بشكل إيجابي أو على الأقل عملي ، بينما يتأثر الآخر بها بشدة ، بل و يهتز نفسيا ، و سبب ذلك هو اختلاف تقدير عظم المشكلة و حجمها لدى كل منهما ، ذلك أن الأول يعلم أنه إنسان مثل بقية الناس يتعرض لما سبق أن رآهم يتعرضون له ، و يعلم أن المصائب برغم قسوتها الشديدة أحيانا تصيب الناس جميعا ، أما الثاني و قد أهمته نفسه يجزع و يضطرب لأنه يرى مشكلته تسد الأفق ، و تخنق الحياة ذاتها ، بسبب اعتقاده السابق أن المشاكل تحدث للآخرين فقط .

الخروج من دائرة الحزن

يجب أن يسارع الإنسان بإزالة الحزن و الهم الناتج عن الصدمة بمجرد انتباهه لهذا الإحساس ، لأنه إذا تمكن من القلب ، دب إليه اليأس و أصاب النفس الشعور بصغر الشأن ، فيفقد الإنسان ثقته بنفسه (و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) – آل عمران 139

و أول إجراء يتخذ لطرد هذا الإحساس هو ذكر الله و خاصة التسبيح بحمد الله كما ورد في القرآن أكثر من مرة ، فالتسبيح يهون من مرارة الصبر ، لأن التسبيح يعني تنزيه الله تعالى عن كل نقص ، فهو القادر على حماية الإنسان من موجات الحزن إن لجأ إليه ، و الحمد فيه تذكير بنعم الله الكثيرة ، و هذا من شأنه أن يهون على الإنسان إحساسه بفقد أي شيء إذا ذكر آلاف النعم التي تحيط به ، وفيه أيضا ألا يتعلق بغير الله ، فالناس لا يملكون لبعضهم البعض شيئا ، فإن لهم حدودا لا يتجاوزونها .

الإجراء الثاني هو الصلاة و خاصة السجود ، و توصيات القرآن و السنة معروفة للجميع في هذا الشأن ، و أبسط ما يقال أن السجود يمثل خلوة و مناجاة تستريح فيها القلوب ، و تلقي أثقالها ، و تستمد قوتها ، و تستشعر ما أعد لها ربها ، فتستصغر ما لاقت و ما تلاقي من أشواك الطريق ، و لا ينتهي في الصلاة كلام .

يتبقى بعد ذلك العمل ، أي أن يشتبك الإنسان مع الحياة يواجهها ، و يصلح من شأن نفسه و من حوله فيها ، فالانشغال يلهي القلب عن الاسترسال في الهموم ، أما الفراغ فيهيئ النفس للهم الناتج عن حصار ملفات الماضي و أوهام المستقبل .

أعود إلى بداية المقال و أسألك ، هل مازلت تجتر صدمات الماضي ؟ و هل أنت مستعد لتجاوز ما تحمله لك الحياة من تحديات مقبلة ؟

...

* شكر خاص جدا لصديقي د/علاء على أفكاره و دعمه لي بلا حدود

* اللوحة للفنان محمد حجي – شكر خاص للفنان على موافقته لنشر لوحاته في رحايا العمر

...

تحديث : أصداء الصدمة ولتبصر مغمض العينين في مدونة جنى الجنتين دان

10 يوليو 2008

البدايات و النهايات

البدايات و النهايات

تنتاب الإنسان حيرة حين يخرج عن المألوف من معتاد حياته اليومية ، و أقصى خروج عن المألوف هو مواجهة البدايات و النهايات . إكتشفت خلال الساعات القليلة الماضية مدى صعوبة مواجهة هذه الحيرة في نفس الوقت الذي أتعامل فيه مع تفاصيل الحياة "العادية" .

...

كان الأمس يوما غير عاديا بالنسبة لي ، كان علي أن أواجه إحدى البدايات .

موظفة الاستقبال : "الإسم و السن و العنوان و رقم التليفون" ، كانت هذه التفاصيل مرعبة بالنسبة لي ، و كأنني لا أحفظها منذ سنين ، أسمع الإجابة سريعة و كاملة ، أفكر في نفسي : "كيف لها القدرة على التماسك و فعل هذا ، بينما أتلعثم أنا ؟"

...

تختلط الدعوات بالأفكار بالعبرات بآيات القرأن ، و أكتفي بأن الله يعلم السر و أخفى ، هو أدرى بحالي مني ، و هو وحده يملك الإجابة ، سبحانه .

...

تفاصيل كثيرة ، لا أفهم الكثير منها ، أردد بعضها لاعتقادي أن هذا يفيد ذاكرتي ، أتحرك و أسأل و أجيب ، و يبقى عقلي معلق بأسئلة أساسية ، "إطمن كل حاجة كويسة" ، أشتبك في تفاصيل جديدة ، و تنهكني الأسئلة ، فلا تفيد عقلي التفاصيل .

...

تقول الممرضة : "معلش متخافش ، ده شيء عادي" ، أفكر أنه شيء عادي بالنسبة لها ، و ليس بالنسبة لي . في لحظات محيرة مثل تلك يبدو الطبيب و الممرضة و حتى رجل الأمن على باب المستشفى أشخاصا أسطوريين ، حكماء و يمتلكون الحقيقة ، إن ما يحدث ما هو إلا شيئا عاديا بالنسبة لهم ، إن بداية إنسان أو نهاية إنسان لهي أشياء تحدث آلاف المرات يوميا ، و لكن ليس بالنسبة لي . إنها لحظة تعري الحقيقة ، تجعلني أتساءل آلاف الأسئلة ، تعيد طرح أسئلة ظننت أنني امتلكت إجاباتها ، و لكن الحقيقة أنني اعتدت الحياة في ظلها بلا إجابة . تزيد حيرتي عندما أصر على أن أجد إجابة و أنا تحت ضغط الموقف .

...

أقول في اتصال هانفي : "هم كويسيين دلوقت الحمد لله" ، تصلني رسالة مربكة و أنا أنهي الإتصال ، فأقوم بعمل اتصال جديد لأتأكد من الخبر ، خبر موت غير متوقع هو ، و لكن منذ متى كانت أخبار الموت متوقعة ؟ يلح على ذهني سؤال مع رنين الهاتف : و لكن الموت هو الشيء الوحيد المتوقع ، فلماذا تطغى مشاعر الصدمة على الحزن أحيانا ؟ أسمع الإجابة على الهاتف : "حادثة عربية" ، أغلق الخط و أنا متحير ثانية : كيف تكون حوادث الطرق السبب الأول للوفيات في مصر و مع ذلك نصر على أنها "حادثة" ؟ إنها تبدو لي قتلا متعمدا يجب أن يحاكم المسئول عنه . من جديد أجد حيرة النهايات تختلط عندي بحيرة البدايات .

ما بين البدايات و النهايات أتعجب من قدرة هذا القلب على التقلب بين مشاعر الحزن و الفرح ، إن أحدى معجزات الله في خلق الإنسان أن جعل هذا القلب يتقلب في رهافة و سرعة لا يجاريه فيهما شيء ، فتجد عبرات الحزن تختلط بضحكات الفرح أحيانا .

...

تصلني رسالة صديقي : "بورك في الموهوب ، و شكرت الواهب ، و رزقت بره ، و بلغ أشده" .

ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، لقد ولد مصطفى إبني بالأمس و الحمد لله ، أسأل الله تعالى أن يبارك فيه ، و أن يجعله من الصالحين ، و أن يجعله قرة عين لي و لوالدته ، و أن ينفع به الإسلام و المسلمين ، و الحمد لله رب العالمين .

05 يوليو 2008

خطيئتي الأولى

خطيئتي الأولى

من أكثر شخصيات القرآن التي أحس بتشابه بيني و بينها شخصية أبونا آدم عليه السلام ، فلست معصوما من الخطأ لأشبه أحدا من الأنبياء المعصومين ، و لست حكيما كلقمان ، و لا مجاهدا عالما كذي القرنين . و أحاول أن أتمسك بنموذج آدم عندما أرى من حولي أشباه ابن نوح ، و أبو إبراهيم ، و زوجة لوط ، بل و أشباه فرعون و هامان و قارون . فمن تشبه أنت ؟

أما أوجه التشابه مع آدم فهي كثيرة ، فلقدت خلقت بريئا عديم الخبرات ، و لكنني وجدت بين يدي منهجا قويما ، و الحمد لله على نعمة الإسلام و القرآن ، و وجدت من نعم الله الكثير مما لا يقدره الإنسان إلا حين افتقاده ، و علمت أن لي عدوا هو الشيطان لم أره ، و لم أعرف كيف تبدو الوسوسة ، و لكنني صدقتها حين سمعتها رغم التحذيرات المسبقة ، و يا أسفا لقد أكلت من الشجرة تماما مثل آدم ، و من منا لم يفعل ؟

التجربة

جاءت الوسوسة كطرقات مستمرة على نقطة ضعف في كياني الذي ركبت فيه غرائز متنوعة ، فمثلما كانت وسوسة آدم تستغل غريزتي التملك و حب الخلود لديه في إغوائه ، فقد جاءت الوسوسة إلي بما يتوافق معي ، و أخذت تهون علي المعصية ، و تخفي عني عواقبها ، حتى انشغلت بها ، و انصرفت عن التعلق بأمر الله فنسيت .

كانت لحظة الأكل من الشجرة محيرة مربكة ، فللمرة الأولى أعصي ربي ، و رغم حلاوة الثمرة في فمي ، فقد امتلأ حلقي بغصة ، فالتجربة الحقيقية ليست كالحلاوة المشتهاة ، كان الأمر أشبه بالخدعة ، فلم تطفئ الشجرة ظمأي ، و إنما أشعلت النار في قلبي ، كانت المرة الأولى التي أرى فيها الجانب المظلم من نفسي ، أردت أن أعود نقيا كما كنت ، أردت أن أكذب نفسي ، أنا لست سيئا ، لا يمكن أن أكون ، الآن أرى نفسي و الحياة بشكل مختلف .

أخذت أجري و أهيم على وجهي ، أنا مخطئ يا ويلي ، أبتعد عن ربي في كل واد ، أختبئ من نفسي بين الأشياء ، و لكن الأشياء لا تخفيني عن نفسي ، و لا ينفع الابتعاد مع رب الأرض و السماء . أجرب كل طريقة ، أسلك كل درب ، أكره نفسي للحظات ، و لكنني أخاف عليها ، أجرب البدائل الواحد تلو الآخر ، فلا ينفعني شيء .

تدركني لحظة الحقيقة ، لحظة أن أذكره ، أتت هذه اللحظة عند قراءة آية من القرآن ، أو أتت عند سماع موعظة ، أو أتت عند رؤية إنسان يتعذب ، أو أتت عندما حملت عزيزا مات ، لا أذكر كيف أتت ، و لكنني في مواجهة نفسي عرفت الحقيقة ، و عرفت أنني لابد أن أرجع إليه ، يا رب لم أجر هربا منك ، و لكن جهلا و حياء منك .

تأتي لحظة التوبة كفيض غامر على أرض قاحلة ، تروي و تغسل ، تعيد الحياة و الأمل ، كيف يعيش الإنسان بلا توبة ؟

ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين .

الصراع

تاب الله على آدم و لكنه طرده من الجنة ، و لا ألوم على آدم خطيئته الأولى ، فلقد عشت تجربته ، و أكلت من الشجرة بعد المرة مرات ، و ذقت طعم شجر مختلف ، و كان درس آدم في التوبة هو طوق النجاة ، و كانت رحمة الله التي وسعت كل شيء هي السبب في عدم طردي ، و مازلت أطمع في العودة إلى موطن أبي القديم - الجنة .

أما إبليس فقد يئس من رحمة الله ، و لا أصعب من عدو يائس ، فأحاول أن أحذر من عدوي الذي يعمل على طردي كما طرد هو ، و إن غلبني في جولة ، فإنني أقوم و أستعد لأصارعه في بقية جولات حياتي بحول الله وحده .

03 يوليو 2008

على الهامش

كانت لحظة خاصة عشتها منذ نحو ثمانية أعوام ، تكشفت فيها حقائق عديدة ، اصطدمت بواقع مرير ، و لم تعد حياتي بعدها مثل حياتي قبلها ، و كلفتني لحظة الحقيقة تلك أن أغير من نفسي ، و ممن حولي أيضا ..

عشوائيات

حدثني صديقي عن العشوائيات في اسطبل عنتر و عزبة خير الله و بطن البقرة و غيرها من المناطق ، سمعت منه و من زميلة أخرى الكثير مما لم أصدق وجوده في قلب القاهرة و على بعد أمتار من طريقي اليومي من و إلى العمل ، و هكذا اتفقنا على اللقاء و استكشاف المنطقة سويا ، كان الهدف مساعدة الحالات الإنسانية الصعبة في المنطقة ، و التحقق من الحالة الاجتماعية و الاقتصادية هناك .

في الموعد المحدد قابلنا باحثة اجتماعية قامت بدور مرشدنا في أدغال المنطقة ، و انطلقنا بسيارة صديقي في متاهة شوارع و حارات تلد بعضها البعض ، يحسب الزائر لأول مرة كل منها نهاية المطاف ، و لا يتخيل أنه فيما بعد هذه الاستدارة أو تلك الزاوية بعد ، و مع تقدم سيرنا كنت أحس أننا نبتعد عن بلدي التي أعرفها ، إلى أن أصبحنا في بلد غريبة تماما ، و ذلك رغم أنني دخلت أحياء شعبية كثيرة في أنحاء القاهرة و الإسكندرية من قبل ، و لكن ما رأيته هذه المرة كان يختلف كثيرا .

كانت أول مفاجأة لي بعد توقف السيارة قول الباحثة : "كفاية كده ، حانكمل الباقي مشي" ، قلت لها : "باقي إيه ؟ هو لسه في بعد كده ؟" ، ضحكت من سذاجتي و قالت : "هو احنا لسه وصلنا ؟ ده المنطقة اللي احنا فيها دي كويسة جدا ! و بعدين العربية مش ممكن تطلع الجبل" ، ابتلعت صدمتي و تبعتها و رفاقي منتظرين رؤية مجموعة من الحالات المرشحة لتلقي مساعدة .

طبعا أول ملاحظة كانت أننا لم نعد في مصر كما قلت من قبل ، لا دولة هناك ، لا خدمات ، لا شيء يوحي أننا في امتداد جغرافي أو سياسي أو أمني لما يعرف بمصر . على مستوى الخدمات لا توجد مياه – لا للشرب و لا لغيره – و بالتالي أترك لك تخيل مستوى النظافة ، و رأيت هناك بيوت عديدة تضع "لمبة جاز" مثل تلك التي تظهر في الأفلام الأبيض و اسود ، و عليه لا توجد كهرباء كذلك في مناطق كثيرة ، أما أكثر ما كدر رحلتنا فهو الصرف ، و الذي يتم بطريقة بدائية يدوية لعدم وجود شبكة بالطبع ، إذن فهذه هي العشوائية ! هي ألا تجد أدنى أثر لتخطيط أو لخدمات تسمح بوجود حياة إنسانية .

1

هل حدثتك عن البيوت ؟ مجازا يسمي الناس عششهم بيوتا ، فغرفة لا تتجاوز 6 متر مربع بلا نوافذ تستخدم كبيت لأسرة كاملة تتكون من 7 أفراد أو أكثر ، بالإضافة إلى كل متاع الحياة الدنيا لديهم من سرير و عين بوتاجاز و دولاب أو نملية ، و لا تسألني عن المعجزة التي تبقيهم أحياء ، خاصة أن قضاء حاجتهم يستلزم استخدام حمام – مع التجاوز في استخدام الكلمة – مشترك مع عدة أسر ، و حاجتهم من المياه تتوفر عن طريق حمل صفائح مياه من أقرب مصدر ، لا تسألني من فضلك عن قدرتهم على توفير مياه بهذه الطريقة للشرب و الطبخ و الغسيل و التنظيف و الاستحمام ، طبعا لن يسرفوا في الماء على كل هذه البنود مجتمعة .

حالات

لأنني لن أستطيع أن أصف كل ما رأيته من أوجه الإعجاز في مجالات العمارة و النظام و النظافة و الحضارة ، أفضل أن أنتقل إلى الحالات التي ذهبنا لنراها ، و منها سيدة عجوز تجلس تحت سلم أحد البيوت ، عرفنا أن هذا المكان هو بيتها (حوالي 1,5 متر مربع) ، تبرع به أصحاب البيت (المستورين) للعجوز لأن ابنها تخلص منها من "البيت" القديم لزواجه .

حالة أخرى كانت لأرملة كفيفة تكفل أربعة بنات . كيف تكفلهم ، و كيف وصلوا إلى هذا السن ؟ الله أعلم ، و المثير أنها كانت تضحك ، و تصر على أن تحتفي بزيارتنا لها .

حالة أخرى كانت ثلاثة أخوات بنات صغار بلا عائل بعد وفاة أمهم و هروب أبوهم ، ما المساعدة التي يمكنك أن تقدمها هنا ؟ ما المساعدة التي لا يمكنك أن تقدمها ؟

و تنوعت الحالات بما فيها كتالوج كامل من الأمراض و الحوادث و الظروف السيئة ، مما دفعني إلى البحث عن نوعية أخرى من الخدمات تختلف عن البنية الأساسية ، أين التعليم ؟ إن هؤلاء جهال تماما ! أين الرعاية الصحية ؟ أين الوعي بأبسط مبادئ البقاء على قيد الحياة ؟ إن هؤلاء ليسوا كما مهملا في بلدنا ، ليسوا مجرد أناس يعيشون على الهامش ، إن وصفهم بالقنبلة الموقوتة يبدو مبتذلا جدا ، لقد انفجرت القنبلة بالفعل ، إن هؤلاء قيد يلتف حول عنق مصر ، و يهوي بها إلى القاع .

الهامش

و تبقى الأسئلة من هو المسئول عن هؤلاء و الكثيرين من أمثالهم في بلدنا ؟ من المسئول عن وضعهم الحالي ، و من المسئول عن إنقاذهم مما هم فيه ؟ و ما السبيل إلى إنقاذهم ، بل إنقاذنا ؟ إننا نعيش في مركب واحد ، و مصيرنا – شئنا أم أبينا – مشترك ، و لا يجوع فقير إلا بتخمة غني ، إن هؤلاء الذين يعيشون على الهامش بشر مثلنا و لهم نفس الحقوق ، فمن منا يعي ذلك ؟ و ماذا فعل كل منا ؟

إن الحقيقة الأكثر مرارة أن من يعيشون على الهامش ليسوا نسبة بسيطة أبدا (نحو 7 مليون في القاهرة وحدها) ، و الأدهى أنهم يزيدون باستمرار (حوالي 200 ألف سنويا) ، و ما يحيرني الآن هو حجم الهامش ، الذي أراه في مخيلتي يغزو المكان كله ، و لا يترك فرصة للحياة إلا على الهامش .

تحديث : ما الذي يمكنك عمله ؟

تحديث : أصداء على الهامش التناقض فى حياتنا في مدونة صعبان عليّ حالنا

07 يونيو 2008

عبور الحياة

عبور الحياة هل تشعر في أي وقت من الأوقات أنك حائر في حياتك ؟ هل تتساءل أحيانا عن مصيرك ، و عن طريقك الذي اخترته في الحياة ، و أين يتجه بك هذا الطريق ؟ هل تفكر في الأسلوب الأنسب لعبور هذه الحياة ؟ هل تحاول أن تستشف مستقبلك ، و أن تتحرك في الاتجاه الصحيح لتعيش حياة آمنة ، و في نفس الوقت ترضي ربك ؟
أنا أشعر مثلك ، و تؤرقني نفس التساؤلات ، أبحث عن إجابات واضحة لها ، و أحاول أن أعبر الحياة بالشكل الأمثل .
مرت بخاطري بعض هذه الأفكار عندما سمعت حديث موحي و بليغ لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يقول : « يا أبا ذر ، أحكم السفينة فإن البحر عميق ، واستكثر الزاد فإن السفر طويل ، وخفف ظهرك فإن العقبة كؤود ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير» ، و الحديث غني بالمعاني لأقصى حد ، و يعج بالإشارات و التلميحات العميقة المؤثرة لمن تفكر فيه للحظات .
و ملخص فكرة الحديث كما فهمته يدور حول كيفية التعامل إجمالا مع هذه الحياة حتى نصل عبرها إلى بر الأمان ، و لو أنني فهمت هذه المعاني بالشكل الصحيح ، فإن هذا لعمري هو إجابة كل الأسئلة السابقة ! و لكي أكون أكثر دقة فإن الحديث لا يوجهك بأسلوب إفعل و لا تفعل ، و لكنه يستخدم أسلوب راقٍ في التربية ، يقدم لك إشارات على الطريق ، تعينك على الاختيار الصحيح في كل موقف في حياتك ، و لا يعي هذه الإشارات إلا من كان له قلب ، أو ألقى السمع و هو شهيد ، و لا يلتزم بهذه الإشارات إلا من تعلق قلبه بهدف الوصول إلى بر الأمان .

أحكم السفينة فإن البحر عميق

فلكي تعبر بحر الحياة يجب أن تسد النقص و الخلل في سفينتك التي تعبر بها ، بمراقبة نفسك ، و إصلاحها ، و تأديبها . أنظر إلى مواضع العيب و النقص و اتخذ قرارك لتصلح من شأنك ، و انشد إتقان كل ما تفعل بقدر الاستطاعة .

استكثر الزاد فإن السفر طويل

و خير الزاد التقوى و العمل الصالح ، فما أطول السفر إلى الآخرة ، و ما أصعب ظلماته ، و ما أقسى أن تشعر بالأسى على عمر ضاع بغير استزادة ، و ما أشد ندم إنسان تقطعت به السبل بعدما نفد زاده . انتهز الفرصة و تزود الآن ، و لا تتردد في عمل ما يكثر زادك مهما كلفك الأمر .

خفف ظهرك فإن العقبة كؤود

ما أثقل الذنوب و المعاصي في يوم يحمل كل منا أحماله و أعماله على ظهره ، و ما أصعب الموقف عند محاولة اجتياز العقبات و نحن ننوء بهذه الأحمال . إن الذكي هو من انتبه لهذا من الآن و تخفف من أحماله ، فقم الآن بوضع هذه الأثقال ، و ابحث عن كل طريقة تعينك على هذا .

أخلص العمل فإن الناقد بصير

من أكثر ما قد يفزع الإنسان فكرة ألا يقبل عمله لشبهة رياء أو تصنع ، و من منا يضمن لنفسه إخلاص ؟ و لا سبيل لتهدئة هذا الخطر إلا التوجه بالعمل لوجه الله وحده ، و ألا ننتظر شكرا أو إعجابا من الناس ، و إنما نتحرى في أعمالنا رضا الله ، و إن سخط علينا الناس ، و أن نتجنب غضب الله ، و إن رضي عنا الناس .
و بعد ، صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أعاننا الله على أن نلزم غرسه .
و الآن قارئي العزيز ، ساعدني ، و قل لي ما هي الخطوة الأولى التي قررت أن تخطوها في سبيل عبور الحياة بأمان ؟

31 مايو 2008

سر التميز

سر التميز

في بلاد الفرنجة

عندما أزور بلاد الفرنجة أتعجب من النظام و النظافة و أن كل شئ منسق و معتنى به ، و لن أسهب في وصف ذلك فهو شئ غدا مفهوما و معروفا من أيام كتاب بيرم "السيد و مراته في باريس" ، و رغما عني أقارن ما أراه في بلاد العالم الأول ببلاد حضارة 7000 سنة في قول و 5000 سنة في قول آخر ، و أتذكر من يقول إذا كان عندهم جمال الدنيا فلنا الآخرة إن شاء الله ، و هو قول مأثور يقوله كثير منا عندما نتحسر على أحوالنا بالمقارنة بما نراه هناك ، و لكني أعود فأقول لنا الآخرة لو كان ما نفعله هو زهدا في الدنيا و ترفعا عنها ، و لكن الحقيقة أننا فشلنا في الحصول على الدنيا رغم رغبتنا فيها و تكالبنا عليها ، و في المقابل كان أسلافنا سادة الدنيا مع الزهد فيها . تختلط في ذهني الأفكار ، و تتشوش أكثر و أنا أتذكر أغنية "يا مصري ليه دنياك لخابيط ؟"

في المدرسة

عندما كنت تلميذا في المدرسة كنت أحب و أتمنى دائما أن أكون من المتفوقين ، و أتذكر أنني كنت أتحمس جدا قبيل بداية كل عام دراسي و أنوي ان أكون الأول هذا العام ، و كنت أحيانا أحقق هذا بالفعل ، و أحيانا أخرى كان الحماس يفتر بعد الأسابيع الأولى و مع صعوبة المواد الدراسية و مع وجود منافسين أقوياء يتراجع مركزي بينهم . لم أكن أفهم السر في هذا التباين إلى أن اكتشفت أن التفوق يحتاج إلى مجهود مستمر و حماس دائم في سبيل تحقيق الهدف .

في الدعاء

عندما يدعو الإمام "اللهم بلغنا الفردوس الأعلى من الجنة" يهزني هذا الدعاء ، لقد أوصانا به النبي صلى الله عليه و سلم ، و لكني أتسأل في نفسي : هل أستحقه ؟ هل أعمل من أجله ؟ هل استجابة الدعاء أن يمن الله علي بهذه الدرجة دون عمل مني ، أم أن يوفقني إلى عمل يبلغني هذه الدرجة ؟

سر التميز

يجمع بين المواقف السابقة أن جميعها يتعلق بأهداف ، و لا سبيل لتحقيق هذه الأهداف إلا بالتميز ، و سر التميز هو وضوح الهدف ، و العمل و تحمل المشاق من أجله ، و الإصرار عليه ، و الاستعانة بالله لتحقيقه .

يسهل على الإنسان التمني ، و يصعب عليه تكبد المشاق ، و تحمل المسئولية من أجل الحصول على ما يتمنى ، مع أن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق أمانيه . و هذا هو ما يجعل المتميزين قلة بين الناس ، و هذا هو سبب أن يعيش و يموت كثير من الناس دون أن يتركوا وراءهم أثرا لأنهم آثروا الراحة و الكسل . يقول د. مصطفى محمود في أحد كتبه :

"إن السلالم إلى الأدوار العليا موجودة طول الوقت ، و لكن لا أحد يكلف نفسه بصعود الدرج و الأغلبية تعيش و تموت في البدروم ..

و لو كلف أحد منهم نفسه بالصعود .. و تحمل مشقة الصعود و شاهد المنظر من فوق ، لبكى ندما على عمر عاشه في البدروم بين لذات لا تساوي شيئا و لكنه الضعف الذي ينخر في الأبدان ."

تحرك الآن ! حدد نقاط قوتك ، و حدد أهدافك ، و قرر أن تتميز فيما تريد أن تحققه ، و استعن بالله و لا تعجز .

28 مايو 2008

سعادة الدنيا

سعادة الدنيا

لحظات رائعة ، الخضرة حولي من كل مكان ، متناسقة و أنيقة بشكل يثير الدهشة بقدر ما يثير الإعجاب ، تنتشر في السماء سحب بسيطة تداعب الشمس ، تبقي للسماء زرقتها المحببة ، و لا تحجب عن العالم نور الشمس ، لا يكدر صفحة الهدوء سوى صوت خرير الماء ينساب فيداعب العقل و الخيال فلا يترك مجالا لحزن أو حقد أو قلق أو غضب ، أصوات الطيور و حركتها تمنع اللوحة من أن تكون مملة ، بالأحرى هي تثير التأمل و الطيران بأجنحة التفكير ..

في وسط هذا كله أجد من حولي من أحب ، بلا مكدرات و لا منغصات ، و أتعجب لأنه لا توجد مسئوليات تضطرني لقطع هذه اللحظات كما هي العادة . إن لم تكن هذه هي السعادة ، فما هي السعادة إذا ؟

أين الخلل ؟

رغم كل شئ أجد شيئا في نفسي يرفض الاستكانة و الراحة ، شئ ما يقول أن هناك خدعة . أتلفت ، أبحث عن موضع الخلل فلا أجد شيئا ! على العكس أكتشف جوانب أخرى للبهجة بسبب عدم وجود أي خلل ..

و لكنني في الحقيقة أعرف السبب ، السبب الذي ينغص علي لحظات السعادة ، و هو فكرة أن هذه السعادة مؤقتة ، يالها من فكرة تؤلمني ، أتملص من الفكرة ، أهرب منها ، فأجدها تلوث هذه اللحظات الثمينة . هل هذا معقول ؟ نعم ستنتهي هذه اللحظات ، و ستصبح ذكرى أتمنى أن تعود ، و ربما تنسيني ما تحمله الأيام من آلام ما أشعر به الآن .

راح عقلي يقارن ما بين سعادة الدنيا و سعادة الآخرة ، ما بين المؤقت و المستمر النهائي المؤبد ، ما بين المزيف و الحقيقي ، فقط سعداء الآخرة يمكنهم أن يقروا عينا بما هم فيه ، و لا ينعم سعداء الدنيا إلا بلحظات مسروقة ، مؤقتة ، و مزيفة .

...

إنتهت تأملاتي بانتهاء لحظات السعادة التي أدركت حتى قبل أن تنتهي أنها غير كاملة ، و أخذت أتذكر المسئوليات و المشاغل التي تنتظرني ، و لم يبقى معي من تلك اللحظات التي تبدو الآن بعيدة بعيدة إلا ذكريات سعيدة .

دعاء

اللهم اجعلنا من سعداء الدنيا و الآخرة

اللهم اجعل سعادتنا في الآخرة أكبر من سعادتنا في الدنيا

اللهم لا تجعل سعادة الدنيا تغرنا عن سعادة الآخرة

اللهم اجعل تمام سعادتنا في رؤية وجهك الكريم

و الحمد لله رب العالمين

20 مايو 2008

معجزة

نكد و إحباط و سلبية : كدة تبقى بتفهم !

نكد و إحباط و سلبية يصر البعض على أن الوعي بالمشاكل و مواجهتها يجب أن يكون الغرق فيها و البكاء عليها ، و إذا قلت لأحدهم : تعال نصلح من بلدنا أشار إليك و قال : شوف الإيجابي ... !

لست أدري لماذا يصر البعض على أن الإيجابية نكتة ، و أن أي محاولة للإصلاح إنما هي محاولة ساذجة ؟ قد يكون السبب هو إعتياد الفشل ، أو الإحباط لدرجة اليأس من وجود حل في متناول أيدينا ، و لكن يبدو أن ما يرضي درجة إحباطنا هو أن يأتي الحل عن طريق معجزة .

أنظر إلى الناس في الشارع ، تكلم مع أي إنسان : إحنا محتاجين معجزة . إحضر ندوة ، إسمع مسلسل في الراديو أو افتح حتى محطة رياضية : مافيش فايدة .

لقد وصلنا إلى مرحلة لا تنفع فيها الحلول التقليدية ، إقترب يوم القيامة ، البلد تحتاج للهد لتبنى من جديد ، لم يبقى إلا أن تحتلنا أمريكا أو إسرائيل لكي نفيق ، ... الحقيقة أن كل هذا كلام فارغ .

و آسف أن أقول أن هذا الكلام الذي أصبح يصدر حتى من كتاب و مفكرين لا يمثل إلا إعتذار و استسهال . إعتذار لأننا غير مستعدين للتضحية بأي شئ من أجل أي شئ ، و استسهال لأن تجميع الجهود و وضع خطط و برامج ، و استنفاذ الوسائل الواحدة بعد الأخرى شئ صعب و متعب ، و نحن متعبين أصلا و لا نحتمل المزيد من التعب ، إذا فالشكوى و البحث عن معجزة هما الحل . هل عرفت لماذا يجن الناس حين تظهر شجره مكتوب عليها لا إله إلا الله ، و لماذا ينشرون الخرافات من نوعية حلم الشيخ أحمد خادم الكعبة ؟

الحقيقة

الحقيقة إن فهم مشاكلنا و تحليلها و دراسة أسبابها و نتائجها ليس هدفا في حد ذاته ، و جلد الذات غير مفيد إذا كان لا يؤدي إلا إلى التعذيب و فقط . إنما نفعل هذا كله لنخرج بدروس مستفادة لنتخلص من أخطاءنا حتى لا نكررها ، و لنقوم بإصلاح ما كان منا في الزمان الأول . و الجدل البيزنطي المعتاد هنا يمضي في محورين : الأول أنه لم يكن لنا يد في هذه المشاكل ، و الثاني أنه ليس في إمكان أي منا أن يفعل أي شئ . و قبل أن أسترسل أقول أنني أعي تماما مدى الانحدار و الانهيار الذي وصلنا إليه و أن وضعنا غاية في السوء ، و اقول أيضا أنني لا أدعي أن إصلاح مشاكلنا هو أمر هين و متاح .

و لكن يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة أن ما يحدث من حولنا لن يدفع ثمنه إلا نحن و أبناؤنا من بعدنا ، و أننا شئنا أم أبينا مطالبين بإصلاح هذا الوضع المزري بما استطعنا من قوة و أن نبدأ بسرعة ، و أن هذا الإصلاح سيتم بأسلوب بشري بعيد عن المعجزات و سيتطلب سنين و قد لا يكون قائدنا نبي ، و لكنه قد يكون واحد من الناس غير معصوم من الخطأ و بالتالي سيرتكب قليل أو كثير من الأخطاء .

أريد أن أقول أن مشكلتنا الأساسية هي مشكلة فكرية و ثقافية ، و أن كل واحد منا يتحمل جزءا منها ، فلا تدفن رأسك في الرمال و كف عن البكاء ، إن كل يوم تنتظر فيه المعجزة .. يؤخرها .

* اللوحات للفنان محمد حجي

27 أبريل 2008

حنين للوطن (2)

حنين للوطن

كنت أتحدث مع صديق لي عندما لاحظ أنني أتحدث بضيق ، و ربما بتوتر عن موضوع السفر إلى الخارج .

قال لي : أنا لا أفهم ، أتريد السفر أم البقاء ؟

قلت : أحيانا أريد السفر ، و لكنني أرى ضرورة البقاء .

قال : ماذا تقصد بضرورة البقاء ؟

قلت : لا أخفي عليك أنني اتخذت قرارا عند تخرجي من الجامعة ألا أقيم إقامة دائمة أو طويلة خارج هذا البلد ، و ذلك لإيماني أن الوضع المتدهور الذي وصلنا إليه إنما يتطلب مجهودات الجميع ، و أن الخروج بغير ضرورة إنما هو هروب من هذا الوضع ، كما أن لبلدنا ضريبة خدمته و بنائه .

قال : كلام جميل ، و لكن ليس كل السفر هروبا ..

قلت : موافق ، و لذلك قلت إلا في حالة الضرورة ، و أنا لست مضطرا ..

قال : إذا لماذا تريد السفر أحيانا ؟

قلت : لأن حلم الهروب لايزال يراودني ! إن الاختيار الأسهل هو أن أكون جزءا من منظومة ناجحة ، و أن أحيا حياة مريحة أنا و أسرتي ، و لن أكرر لك مشاكل بلدنا التي تعرفها جيدا و التي نشكو منها يوميا .

أطلقت بصري بعيدا و أكملت : و في المقابل أفكر دائما فيما أنجزت هنا في بلدي .. هل كان وجودي في هذا البلد جزءا من نجاحه ؟ أي نجاح !؟ هل استطعت خلال كل هذه السنين أن أحقق أيا من أحلامي التي تمنيت أن أكون جزءا منها لجعل هذا البلد مكانا أفضل لأبنائي ؟ هل مجرد وجودي هنا هو عامل بناء ، أم معول آخر للهدم ؟

أطرق صاحبي للحظات ثم قال : إسمع يا صديقي ، إن كنت تعتقد أنك مواطن صالح و شريف ، تعمل من أجل بناء هذا البلد ، و تربي أبناءك على قيم أصبحنا نفتقدها في مجتمعنا ، و تحاول أن تكون نموذجا لغيرك لإصلاح ما أفسده المفسدون ، و تستطيع أن تحتفظ بنقائك في وسط هذا الكم من الظلم و الفساد و العشوائية التي وصلنا إليه ، و الأهم أن تكون نيتك في هذا كله خالصة لوجه الله ، إن كنت هذا كله فوجودك في مصر إنما هو جهاد و إصلاح ، و كل نموذج خير موجود إنما يثبت و يقوي غيره من نماذج الخير يحميها من الإنحراف و الإنجراف ، و يعمل على أن يكون "خميرة" خير تعد بلدنا و الأجيال القادمة لتكون مصرنا أفضل . فلا تفقد إيمانك القديم أبدا .

قلت له : صدقت ، فما يزال بي حنين لمصر أفضل .

هل قرأت حنين للوطن ؟

22 أبريل 2008

حنين للوطن

رحت أتذكر ملامح وجهه ، نغمات صوته ، و حركات يديه ، كان يجلس على هذا المقعد بجانبي منذ يومين .

سافر صديقي بعد صراع طويل داخل بلده ، سافر بعدما استنفذ السبل و أخذ بجميع الأسباب ، توكل على الله و راح يسقي أرضا غير أرضه . عوامل الطرد غربته في وطنه ، فراح يبحث عن وطن في غربته .

قال لي قبيل سفره: إني أتمثل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أخرج من مكة و هو يذرف الدمع و يقول: "والله إنك لأحب بلاد الله إليّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ" ، أو كما قال صلى الله عليه و سلم .

حنين للوطنالقصة رقم ألف هي في مسلسل نزيف الأعزاء إلى خارج الحدود ، فكثير من أصدقائي سافر و عاد ، و أكثرهم لا يعود . فمع اختلاف الدوافع و الأسباب ، و رغم وطأة الإحساس الصعب بالفقد و الافتقاد يسافر الجميع ، أو يهرب ، أو يهاجر . و الغريب أن معظم من يترك البلد يكون متميزا جدا في مجاله ، و قد يصعب تعويض غيابه على المستويين المهني و الشخصي ، و الأغرب أن أكثرهم يذوب عشقا في مصر .

فهل تطردنا بلدنا لأننا أثقلنا عليها ؟ أم يحاول البعض أن يجتثنا منها ليسهل عليه تفكيكها و بيعها ؟

و كأن الغربة التي أصابتنا داخل الوطن بسبب غموض المصير و تغير الاستراتيجيات و تألق المحتكرين و الفاسدين و اختفاء بوصلة الصواب ، و كأن هذه الغربة كان ينقصها أيضا تغيب الأهل و الأصدقاء و الأحباب . هؤلاء الذين أبحث عنهم الآن فلا أجدهم .. فيدهمني حنين للوطن .

و للحديث بقية إن شاء الله . (حنين للوطن 2)

12 أبريل 2008

رحايا العمر

من الصعب أن يبقي الإنسان فمه مغلقا ، لاسيما إذا كان يتحدث عن نفسه .

في أحد الاجتماعات كان الوقت لا يكفي لكي يتحدث الجميع ، و كانت النتيجة أن الأسرع و الأعلى صوتا استأثر بجل الكلام ، و أثناء خروجنا سألت صديقي الذي لم يتكلم أبدا "لماذا لم تتكلم؟" فقال بسرعة "جميع الحاضرون يعرفون أنني أستطيع الكلام!" . ضحكت للرد القاطع ، و لكني تعلمت أيضا أن الكلام في حد ذاته لا يضيف إلى قائله إلا بمحتواه و فائدته ، و لهذا أتسأل الآن أيضا "ما فائدة الكتابة هنا إذا؟" . لقد حافظت على فمي مغلقا و على قلمي جديدا بينما أتابع المتكلمين و الكاتبين في كل وقت و مكان و مجال ، فلماذا أكتب ، و لماذا الآن؟

نهر الأفكار

Ra7ayaكان من الممتع و العجيب أيضا أن أقرأ بعض ما كتبت من قبل . إن الأفكار تتغير و الإحداث اليومية تسبب اختلافات صغيرة في شخصية الإنسان ، و لكن الإحساس الدائم بالآنية و الاعتقاد الزائف بالديمومة و التكرار يجعلنا لا نرى هذه التغيرات و الاختلافات ، مما يجعل مراجعة الأفكار و المواقف درسا في حد ذاته . و كتابات المفكرة الشخصية لا تفي بهذا الغرض ، إذ أنك لا تعنى بشرح و صياغة أفكارك بشكل واضح إلا للآخرين .

رأيك يهمني

إن فكرة سماع رأي الآخرين و نصائحهم و انتقاداتهم و أسئلتهم قد لا تكون مستحبة طوال الوقت ، و لكن ماذا عن تلقي هذه الآراء و الأسئلة على أفكاري و الموضوعات التي أطرحها أنا؟ إن لم يكن هذا مفيدا و يطور الحياة فهو بالتأكيد ممتعا . كما أن مشاركة الأفكار و الآراء سوف تعني لقاء أشخاص يفكرون و يحيون بنفس الطريقة ، و احتمال أن يؤثر هؤلاء في حياتي كبيرة . إن الإنسان يختار أصدقاءه من المجموعات التي تفرضها الظروف عليه ، ماذا لو كان عليه أن يختار ممن قابلهم لأنهم يؤمنون بأفكاره و يتقبلون آراءه؟

عاشت الفكرة! ماتت الفكرة!

هناك شيء آخر ، و هو أن كل إنسان يملك خبرات و معلومات يحب أن يشرك الآخرين فيها ، و هذه قد تشكل لديهم فائدة أو قيمة ما . هناك أفكار تولد و تموت لمجرد انها لم تجد الوقت أو الشخص المناسب لطرحها عليه ، أما هنا فيمكن للأفكار أن تنتظر من يقرأها يوما و يحييها عندي أو عند غيري . لا أستطيع أن أتخيل ماذا لو وجدت كتابات لأبي أو لجدي و هم في مراحل سنية لم أعرفهم فيها؟ هل يمكن لأحفادي ان يقرأوا يوما ما أكتبه الآن؟

ما قبل / ما بعد

بالنسبة لي أشعر أن بلادنا تعيش لحظة ما قبل التحول . التحول إلى ماذا؟ لست أدري بعد ، و اسأل الله العافية ، و لكن في كل الأحوال فما نعيشه و نشعر به الآن سوف يكتسب أهمية بحجم هذا التحول .

فما رأيك أنت؟