‏إظهار الرسائل ذات التسميات الآخرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الآخرة. إظهار كافة الرسائل

03 أكتوبر 2009

سقوط الأقنعة

قلت لصديقي أثناء خروجنا من أحد بوابات الحرم المكي : لقد اكتشفت أن رحلة الهجرة إلى الله متمثلة في الحج أو العمرة تدفع الإنسان دفعا ليكتشف حقائق الحياة ، و لتسقط من أمام عينيه جميع الأقنعة .

قال صديقي : إن الحج رحلة فريدة ، فهي رحلة إلى الله ، يكون الإنسان فيها في قمة السمو الروحي و الأخلاقي ، و هو مؤتمر سنوي دعا إليه رب البشر ، فهو اجتماع في أشرف البقاع من أجل تحقيق أشرف الغايات ، و في أشرف الأوقات .

قلت له : إن الإنسان يشعر بشعور غريب و هو يعيد اكتشاف نفسه هنا ، و هو يتحرك بدافع غامض يخرجه من كل ما ألفه في حياته .

قال : إن هذا الشعور الغامض هو شعور حب و أمان ، أنت تشعر أنك خرجت لأن أحدا قد دعاك ، و أنه ينبغي عليك أن تذهب ، أنت لا ترى وجه الداعي أو تسمع صوته ، غير أنك واثق أنه قد دعاك ، و ينبغي أن تلبي .

إنه هوى في القلب لا يعرفه إلا من ذاقه ، يتحدث أهل الهوى عن الحب من أول مرة ، أما هذا فحب قبل المعاينة ، ترى هذا الهوى فرحا في وجه من وفقه الله فتحرك لأداء الشعيرة ، و تراه أيضا في دموع انحدرت على وجنتي من حيل بينه و بينها .

سقوط الأقنعةو انطلاقا من هذا الفهم رحت أرصد خلال رحلة العمرة هذه الأقنعة و هي تسقط أمام عينيّ الواحد تلو الآخر :

قناع البراءة

مع مرور الوقت بالإنسان يعتاد أخطاءه ، و يظن أن عيوبه و خطاياه صغيرة ، فيتشاغل عنها ، و يقنع نفسه بأنها بسيطة و يمكن علاجها حينما يريد ، و يعزي ما يقع فيه من مشاكل إلى الآخرين و الظروف متناسيا أنه غفل عن إصلاح نفسه في المقام الأول ، و هكذا يتحول إحساسه بالبراءة إلى مشكلة مزمنة لا حل لها .

قناع الاستقرار

هو الظن بأن الحياة ستظل دائما كما هي الآن ، فيرسم الإنسان صورة مستقبله بفرض امتداد جميع الخطوط على استقامتها ، و هو في هذا ينسى أن التغيير هو سنة في الحياة ، و أن الاستقرار ما هو إلا أمل زائف . و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، و ما تدري نفس بأي أرض تموت .

قناع الألفة

يظن كل إنسان أن ما ألفه في حياته هو الصحيح ، و يعيش يرتب خططه حسب هذه الألفة ، بل و يتوقع من الآخرين أن يتحركوا وفقا لمعاييره الخاصة ، و يستنكر أن يرى سلوكا أو قولا يخالف ما ألفه ، رغم أن اعتياد كل منا لما يعرفه لا يعني في الواقع كثيرا بالنسبة للآخرين .

قناع الأهمية

يعمي الإنسان الظن بأن ما يفعله لازم و ضروري لاستمرار الحياة ، بل و يعتقد أن رزقه و رزق الآخرين متوقف على مجهوده ، كذلك يعتقد بأن غيابه عن محيط عمله أو أسرته أو أصدقائه سوف يتسبب في شلل الحياة ، ثم يفاجأ بأن الحياة تستمر في حال وجوده كما في حال غيابه ، فيفقد إحساسه بالأهمية معناه .

قناع السببية

إن الظن بأن الأسباب الظاهرة هي ما يحرك الأحداث يجعل الإنسان ينسى مسبب الأسباب ، رغم أن كل منا قد رأى في حياته ما يثبت أن الدواء في ذاته لا يشفي ، و أن المال لا يغني ، و أن أسباب السعادة قد تشقي ، بل أننا عندما تنقطع بنا الأسباب نلجأ لمن ينجينا بلا أسباب ، و رغم ذلك كله يمنعنا قناع السببية من استخدام التوكل بشقيه الأخذ بالأسباب و الطلب من الله .

قناع القرب

قد يرتبط الظن بقرب و بعد الأشخاص بمقدار التعامل اليومي معهم ، و ذلك بالرغم من أن الحب قد ينشأ بين من تمتد بينهم المسافات ، و لا يلتقون إلا بعد سنوات ، إلا أن اختبار البعد المادي يجعل الإنسان يعرف فعلا من يحبه في مصلحه ، و من يحبه في الله .

قناع الفهم

إن الظن بأنك تفهم ما يدور حولك بغض النظر عن التفكر في السنن الكونية التي تحكم العالم هو تفكير قاصر ، و يمكن لكل منا أن يضع التصورات و الأفكار الخاصة به لفهم تطور الأحداث و تحرك الأشخاص و تغير العلاقات ، إلا أنه يجب أن يفهم أيضا أن فهمه يظل قاصرا ما لم يحط بسنن الله في الأفراد و المجتمعات و التاريخ .

و بعد ، أجد هذه الأقنعة و غيرها تفرض نفسها مع كل غفلة و نسيان ، أجدها تفسد على الناس حياتهم ، و كلما اكتشفت أحدها على عينيّ أرى الدنيا من خلاله أحاول أن أتذكر رحلة سقوط الأقنعة ، و أحاول أن أعود من رحلتي بلا أقنعة .

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

10 يناير 2009

اللحظة الفاصلة

تناولت القصص السابقة أحداثا ثابتة في تاريخنا ، شاء الله أن يحفظها لنا لكي توضح لنا سننه في الأمم ، و من معانيها :

1- لن تهبط معجزة من السماء تلبية لدعواتنا الحارة ، بل سيتحقق الوعد على أيدينا نحن ، أو على أيدي من سيستبدلنا الله بهم .

2- الثبات و الصبر يؤديان للنصر ، بغض النظر عن الظروف المحيطة .

3- تدور الدوائر دائما على المدبرين و المتخاذلين .

4- الصراع القائم عقائدي في الأساس ، و روح المقاومة هي المستهدفة .

5- الأغلبية الصامتة لا قيمة لها ، و لكن التخطيط و التنسيق أساس للنجاح .



و الآن تشبه اللحظة الراهنة ، بكل تجلياتها و مفارقاتها لحظة سقوط الأندلس ، أو بالتحديد لحظة سقوط آخر معاقل الإسلام هناك ، و لكن كيف كان هذا السقوط ؟

لحظة سقوط

لحظة سقوط انقسمت الدولة العظيمة إلى دويلات ، و إمارات ، و ممالك ، و برزت عصبية قبلية شديدة بين هذه الدويلات ، فثارت المشاكل و النزاعات بينها لأتفه الأسباب .

و تنافست الدويلات فيما بينها ، فكانوا ينفقون مقدراتهم على مظاهر الأبهة و العزة ، و عمد كل منهم إلى التحالف مع الأعداء للانتصار على بني دينه و جنسه ، و غلّبوا تنافسهم على مصالحهم ، فاستفاد الأعداء منهم في المجالات الاقتصادية ، و العلمية ، بل و في التنسيق الحربي أيضا .

و مما يدعو للعجب قيام الدويلات العربية الإسلامية بدعم أعدائهم اقتصاديا و سياسيا ، و تآمرهم على بعضهم البعض ، و تحاربهم ، و أنهم سهلوا لأعدائهم الحصول على حصون و مواقع لحماية الدويلات من بعضها البعض ، مما سهل للأعداء مهمة ابتلاعهم دويلة فأخرى .

و لم تتبق للعرب سوى راية وحيدة في الأندلس ، و لم تسقط هذه الراية لزمن طويل جدا ، إلا عندما جاءت الخيانة من داخلها ، فكان فريق من أهلها يعين المحتلين على دخولها ، ليتمكن الخونة من الإمساك بزمام الأمور بمعونة المحتل ! و تزامن هذا مع تخاذل جميع الدول الشقيقة لمملكة غرناطة .

...

من الجدير بالذكر أن الخونة لم يكن حظهم بأفضل ممن خانوا ، و أن الدائرة دارت على المتخاذلين جميعا ، و أن الخسارة الأساسية كانت عقائدية ، و لم تقم للإسلام دولة في الأندلس بعدها أبدا .

لا شك في أنها قصة عجيبة ، و لكنها للأسف تتكرر اليوم بحذافيرها ، فبلادنا ممزقة في دويلات ، بعضها محتل عسكريا ، و بعضها تابع صريح للأعداء ، تنتشر القواعد العسكرية الأجنبية لتحمي الأنظمة من بعضها ، و لتثبت العروش رغما عن الشعوب ، و تكبلنا اتفاقيات و معاهدات مع أعدائنا تكرس فرقتنا ، و نستثمر الأموال في الخارج ، و نتنافس و لا نتكامل !

لحظة صعود

لحظة صعود لم تكن لحظة سقوط الأندلس هي أحلك فترات التاريخ سوادا ، فلقد عاشت أمتنا فترة أخرى كانت أكثر سوادا .

قامت مختلف الدول الأوربية بمهاجمة بلادنا ، و احتلال أراضينا ، و كان العامل الحاسم و الأهم الذي أدى لنجاح الأعداء هو تفكك الأمة إلى دويلات متناحرة ، بالإضافة إلى انشغال العلماء بخلافات مذهبية في صغائر الأمور ، و غرق الحكام و المحكومون في غفلة الشهوات و الشبهات .

لقد كان سقوط القدس علامة على مدى ضعف و تشرذم المسلمين و العرب ، و مع ذلك بدأت الروح تدب في أوصال الأمة الضعيفة التي تمرض و لا تموت .

بدأ الأمر بصحوة فكرية تستلهم أفكار الإمام الغزالي و غيره من العلماء ، فأنشئت مدارس تربوية تهدف إلى إيجاد جيل جديد من العلماء و المربين الجادين ، و إحياء الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و الاهتمام بتهذيب النفوس و الترفع عن الشهوات ، و محاربة الخصومات المذهبية ، و ترك القضايا الخلافية التي تفتت الأمة ، و كان هذا كله تمهيدا لإفراز سياسيين و عسكريين على وعي بقضايا أمتهم .

و قد أثمرت هذه المدارس قادة في كل المجالات – و كان من بينهم صلاح الدين الأيوبي ، و بعدما كانت الرايات القومية هي محور التفاف الشعوب ، أصبحت الرايات المرفوعة تنتسب إلى الإسلام ، و تسمى الولاة عماد الدين ، و نور الدين ، و صلاح الدين ، و أسد الدين ، الخ .

و قد تجلت علامات الإصلاح في زهد هؤلاء القادة ، و نشر العدل ، و محاربة الظلم ، و حرية الرأي .

أما نتيجة هذا الصعود فهي معروفة للجميع من تألق مبهر جديد للأمة .

اللحظة الفاصلة

اللحظة الفاصلة و اليوم نقف في مفترق جديد للطرق ، و يتجدد الاختيار أمامنا ، ليكون ما يحدث و ما نعانيه جميعا هو لحظة سقوط فاصلة ، أو لحظة صعود جديدة .

و أقول أن اللحظة ستكون فاصلة لعدة اعتبارات :

1- لقد اجتمعت شعوب الأمة من أقصاها إلى أقصاها على اختيار المقاومة ، لما ثبت لها من تجارب عبر ما يقرب من قرن من الزمان .

2- وحد هذا الاختيار الأمة ، رغم تشرذم قادتها ، و لا تجتمع الأمة إلا على خير .

3- حرب غزة (معركة الفرقان) هي أول حرب تحت راية إسلامية في العصر الحديث كله .

4- حرب غزة هي اختبار هذا الجيل ، مثلما تمثلت اختبارات الأجيال السابقة في النكبة ، و النكسة ، و غيرها ، فلو سقطت غزة – لا قدر الله – فقد تجري علينا سنة الاستبدال كما جرت على من كانوا قبلنا .

أسئلة اللحظة

من خلال قراءة و سماع ردود أفعال عموم المسلمين في كل مكان على حرب غزة ، سنجد أن الأسئلة كلها تدور على المحاور التالية :

1- إحساس عام بالعجز ، و قلة الحيلة ، و أحيانا اليأس

2- ماذا نفعل لنصرة غزة ؟

3- هل العودة للدين و التمسك به هو المطلوب ؟ أم أن التركيز على التقدم الاقتصادي و العلمي يمثل حلا ؟

4- هل الحكومات على خطأ ؟ و هل يجب علينا الثورة ضدها ، و الانقلاب عليها ؟

و لا يمكن إجابة هذه التساؤلات إلا انطلاقا من قاعدتي : و أعدو لهم ما استطعتم من قوة ، و إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

إن أبناء فلسطين هم أول صفوف الرباط ، و علينا نصرتهم ، مع العلم أن القضية تخصنا جميعا ، و أنهم لا ينوبون عنا في جهادهم ، فواجب كل منا نحو القضية هو بذل كل ما يستطيع ، و لن يتنزل نصر الله إلا إذا بذلنا كل المستطاع فعلا ، فمثلا إذا كان في حوزتي عشرة رصاصات ، و لم أضرب إلا خمسة ، فقد قصرت في أداء واجبي ، و هكذا ، كما أن التغيير لابد أن يكون جماعيا ، تشارك فيه كل الأمة رجالا و نساء و أطفالا ، كل بما يقدر عليه في موقعه ، و تغيير النفس يشمل تغيير الأفكار ، و القيم ، و الثقافات ، و الأولويات ، و الاتجاهات ، و العادات ، و التقاليد .



و لكن ..

ما هو دورك لتحديد ملامح اللحظة الحالية ؟

فيما يلي مفردات دور كل منا لخلق لحظة صعود ، و تفادي السقوط ، و هذه الواجبات يجب أن تؤدى بالتوازي ، و لا توجد عوائق لأدائها ، و سنسأل عنها أمام الله تعالى ، فعدم التزام الآخرين بها ليس مبررا على الإطلاق لتركها .

دورك هو :

1- إصلاح نفسك ، و زيادة إيمانك ، بما يشمله هذا من إقامة الصلاة ، و قراءة للقرآن ، و حتى الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و يمكن الرجوع لسورة الإسراء لدراسة منهجا كاملا للإصلاح .

2- نشر المفاهيم الصحيحة حول القضية ، و يمكن الرجوع لمدونة مهندس مصري حول هذا الموضوع ، كما يمكن قراءة هذا الكتاب الرائع .

3- استلهام نماذج التضحية الفلسطينية لإصلاح مجتمعنا ، فشغل الوقت بالقضية ، و بذل المال و الدم و راحة البال ثمن بسيط مقارنة بتقديم النفس و الولد كما نرى في فلسطين .

4- عليك أن تتبنى حملة لدعم فلسطين ماديا بين أفراد أسرتك ، و أقاربك ، و جيرانك ، و تذكرهم بواجبهم شهريا ، و تكون مسئولا عن أن يكون هذا الدعم مستمرا .

5- الدعاء المستمر ، و الشعور بأنك تحمل هذا الهم ، و تعمل من أجله .

6- محاربة المفاهيم السلبية مثل اليأس من التحرير ، فما فسد في سنوات لا يصلح في أيام .

7- كشف الخداع الإعلامي ، فالجهاد ضد المحتل ليس إرهابا ، و القضية ليست فلسطينية ، و هكذا .

8- تفعيل مقاطعة اقتصادية نفعية شاملة و دائمة لمنتجات أعدائنا .

9- توجيه الرسائل ، و التعبير عن موقفك بكل الطرق السلمية الممكنة ، لإرشاد الحكام و الضغط عليهم .

10- العمل على الإبداع و التفوق في مجالك ، و تذكر أنك على ثغر من الثغور ، فلا يؤتى الإسلام من قبلك .



بالله عليك اعمل بهذه الواجبات ، و انشرها ، إن كنت تظن أن بها خيرا ، و اترك النتائج لله سبحانه و تعالى .



اللهم قد بلغت ، اللهم فاشهد



* اللوحات للفنان محمد حجي

01 يناير 2009

مجموعة قصصية جديدة

القصة الأولى

الانتفاضة تآمرت القوى الإقليمية و الدولية ، و توافرت لديها الدوافع و الأسباب التي تجعلها تحارب حتى الدين و رموزه و مقدساته ، و اندفع أصحاب المصالح يدقون طبول الحرب .
في الوقت ذاته دب الضعف في الأمة ، تباعدت ، و تعادت ، و اقتتلت ، صارت المصالح القبلية هي الميزان ، و توجهت الدفة نحو الاقتتال الداخلي ، و رفضت القيادات اللجوء للخيارات الإستراتيجية السليمة .
تحركت جيوش الظلم مدفوعة بأحقاد و أطماع ، لم يكن يواجههم أي احتمال أن توقفهم أي من القوى العالمية ، كانوا يعلمون تماما أن الأمة ما هي إلا كيانا متهالكا لا يصمد أمام العدوان ، خاصا أن جيوش الظلم امتلكت أسباب البطش ، و كانت لديها أسلحة لا سبيل لمواجهتها ، عززت منها الحرب الإعلامية .
و برغم يقين أبناء الأمة بعظمة ما لديهم ، لم يحركوا ساكنا ، اختاروا أن يقفوا موقف الخضوع ، و علموا أنهم لا يملكون من أمرهم شيئا ، و لكن تعلقت أفئدتهم بالسماء ، في انتظار معجزة تنتشلهم مما هم فيه .
قبل أن يبدأ العدوان ، و ينطلق المحتل يعيث فسادا ، مر بزعماء القبائل القريبة – التي لابد أن يمر عليها أولا ، و تأكدت لديه ألا حياة لمن تنادي ، و تهاوت أمامه الرموز ليجد طريقه ممهدا .
و عندما وصل جيش أبرهة لمكة لم يجد مقاومة من البشر ، و لكن حدثت معجزة السماء ، و أمطرت عليه حجارة من سجيل فجعلته كعصف مأكول .
...
نرى ما يحدث أمامنا و نتعجب ، نتمنى أن تحدث المعجزة و يكون أعدائنا كأصحاب الفيل ، و ننسى أننا مسلمين ، و مكلفين بحماية أنفسنا و مقدساتنا ، و حرمة الدم الذي يراق الآن أعظم من حرمة الكعبة الشريفة .
و لكن هل ما زال بعضنا ينتظر هبوط الطير الأبابيل ؟

القصة الثانية

حصار غزة 3 كان المؤمنون على ثقة تامة ، و كان الله قد وعدهم إحدى الحسنيين .
كانت الجيوش تزحف من كل مكان ، و تواترت الأنباء عن النية المبيتة للقضاء على وجود هؤلاء المؤمنين .
قام العدو بالتنسيق مع كافة الأطراف التي يهمها أن تقضي على ذلك الخطر ، فقد باتت الأوضاع السائدة و الخطط المستقبلية المرسومة مهددة بالضياع إن لم تتخذ هذه الخطوة الآن .
كان اليهود بمكرهم المعتاد قد قاموا بكل ما يملكون من قدرات عسكرية و دبلوماسية لإنجاح خطتهم ، و كان الحسابات البشرية تحتم نجاحهم فيما يسعون فيه .
و في المقابل تمسك المؤمنون بدينهم و باختيارهم ، و رفضوا أن يسلموا الدين و الدنيا للمعتدين ، لقد كان عليهم أن يجاهدوا حتى و لو كان ذلك نبشا في الأرض بأظافرهم .
و برغم الإيمان ، فقد زلزلوا زلزالا شديدا من الهجوم الذي واجهوه ، فأعدائهم جاءوهم من فوقهم و من أسفل منهم ، فزاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر .
و في ظل هذه الأثناء الحرجة خرجت أصوات شركاء الأرض و المصير تقول نحمي أبنائنا و بيوتنا دونكم ، رغم ما بينهم جميعا من معاهدات ، و ينسون أن الدوائر ستدور عليهم إن هم تخلوا عن إخوانهم .
لقد كان ثبات المؤمنين من أسباب النصر في يوم الخندق ، فبرغم الحصار و تحالف القوى ضد المدينة ، فإن الله غالب على أمره ، و لكن أكثر الناس لا يعلمون .
...
انقسم المسلمون إلى فريقين في يوم الخندق ، و اليوم يتجدد الاختيار أمام كل منا .


القصة الثالثة
بدأ الأمر بتعصب ديني ، إن اليهود يرفضون ألا يكونوا شعب الله المختار .
و برغم ارتكابهم لكافة أنواع الآثام ، و برغم تاريخهم الأسود ، إلا أنهم يصرون على أنهم هم الأفضل ، و أن من غيرهم ما هم إلا أغيار ، أميين لا قيمة لدمائهم أو أموالهم أو أعراضهم .
لذلك أعلنوا أن دولتهم "يهودية" ، و لا يقبلون فيها أو لها ألا تكون إلا كذلك ، حتى و إن كان ذلك بالقوة ، بل إن ذلك لم يكن ليكون إلا بالقوة .
لم يتقبل رعاة دولة يهود أبناء أي دين جديد ، و عندما علموا أن هنالك من ينادي بالإيمان و بالإصلاح ، صارت قضيتهم عقائدية قبل أن تكون سياسية أو أمنية .
إن لك أن تتبنى أية قضية ، إن لك أن تشتغل بما تحب ، و لكن البحث عن ذاتية عقائدية و بعث الإيمان في الأمة من جديد هو أخطر ما يهدد الدولة الهشة القائمة على الظلم و الاغتصاب .
لذلك كانت الحرب الشعواء على رموز الإصلاح و الجهاد ، و ذلك بالاغتيال و التنكيل ، ثم امتد الأمر إلى كل من اعتنق هذا الاختيار ، إن مصيره هو الحصار و الحرق بالنار .
إن المطلوب ليس هزيمة أعدائهم ، و لكن المطلوب هو إقصاء معنى المقاومة ، بل و القضاء على كل من يتبنى فكر المقاومة و الإصلاح و الجهاد .
لقد قام أصحاب الأخدود بجريمتهم الشنعاء ، فحاصروا الرجال و النساء و الأطفال الذين آمنوا و أحرقوهم أحياء بالنار ، و لم ينصر المؤمنين أحد من أهل الأرض .
...
نرى ما يحدث أمامنا و لا نتخيل أن يكون مصير إخواننا المحاصرين كمؤمنين أصحاب الأخدود ، برغم أن هذا ما يحدث أمامنا بالفعل ، و نحن لا نملك إلا أن نندد بهذا ، و نتمنى ألا يطول الأمر كثيرا .

في الوقت ذاته ألا نخاف أن نكون من أصحاب الأخدود ؟



القصة الرابعة


عندما تحالفت قوى الشر و الظلام على المؤمنين ، كانت أهدافهم في الأساس تكريس الظلم و الفساد ، فلقد اعتادوا أن تسير الحياة على وتيرة واحدة .
لقد اخترعوا أصناما وضعوها أربابا للعباد ، و جعلوا أبناء الأمة يتلهى كل منهم بصنم ، و كانت التلهية هي أساس مكر الليل و النهار ، فبدونها ينتفض العباد ، و يرفضون ما يحدث حولهم و أمامهم من نظم مختلة ، و أساليب عقيمة لإدارة الدنيا ، تخول للملأ المستفيدين من الوضع استثماره و استمراره .
و في المقابل زاد إيمان المؤمنين ، و رغم تحذير السادة و الكبراء من إتباعهم ، راحت أعدادهم تتزايد ، و رغم خفوت صوت المقاومة وسط محيط الجهل و التضليل ، فقد فطن أهل الظلم أن في هذا النور الوليد القوة و القدرة على تغيير الأمة بأسرها .
و بالفعل كانت روح المقاومة تغير شيئا ما في نفوس المحيطين ، فلقد بدأ يظهر ضلال ما كانوا يظنون سابقا أنه الحق .
و لهذا كله كان القرار بالمحاصرة ، و المعاقبة ، و المقاطعة ، كان القرار بالتجويع حتى الموت ، و الويل لمن يعترض على هذا من المحيطين .
فكل صوت ينادي بفك الحصار و الرحمة هو صوت معادي ، له أهداف أخرى و لابد ، أهداف تسعى لزعزعة الأمن و الاستقرار الذي يسعى إليه القادة .
لقد كان فك حصار المؤمنين في شعب أبي طالب بأمر من الله ، و تحقق ذلك رغما عن الكفار عندما استطاع الناس أن يهبوا ليرفضوا الظلم الواقع على إخوانهم المحاصرين في الشعب .
...
و اليوم هل نملك لإخواننا المحاصرين دعما ، أم ليس لنا من الأمر شيئا ؟


ما أشبه الليلة بالبارحة ! و لكن الحقيقة أن ما يحدث اليوم يطابق بحذافيره قصة أخرى تماما ، أحكيها في المرة القادمة إن شاء الله تعالى ، هنا على رحايا العمر .

* اللوحات للفنان محمد حجي
تحديث : أصداء مجموعة قصصية جديدة : فلنحطم الأصنام على مدونة مجداوية

15 نوفمبر 2008

وعكة

وعكة كان الوقت نهارا ، و حركة العالم على أشدها ، و كان هو في القلب من هذه الحركة ، لم يدع في هذا اليوم نشاطا إلا و قام به ، و بدا له كأنما امتلك مفاتح القوة .

بدأ الأمر بسيطا ، ثم اشتد ، أوحى لنفسه أن كل شيئا طبيعيا ، استكمل يومه بنفس الهمة ، و في لحظة واحدة تهاوى .

لقد مر بوعكة صحية ، جعلت من حوله يندهشون كيف لم يشعروا بها قبل حدوثها ، لم تكن هناك مقدمات ، و كان هو صاحب النصيب الأكبر من الدهشة .

مرت عليه لحظات من الألم ، شعر خلالها بالضعف و الحاجة إلى المساعدة ، بحث في ذهنه عن إحساسه السابق بالقوة ، أخذ يتساءل عن أسبابه ، و لكنه لم يجد أيا من هذه الأسباب ، ما كانت القوة إلا مظاهرا و غرورا .

في أثناء تعبه مرت بذهنه خاطرة غريبة : "ترى هل أموت؟" ، لم يكن الأمر يستوجب ، و قال لنفسه : "لا أعتقد أن النهاية ستبدو كذلك" ، و لكنه في الواقع لا يدري كيف ستبدو النهاية ، و خطر له شيء آخر : "عندما تأتي لحظة الموت ، أتمنى ألا أمر بنفس هذا الإحساس من التعب و الألم" ، و لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن لحظة الموت ستكون أشد وطئا .

أحس أن المرض أشبه بالوقوع في البحر من على سفينة ، يناضل في البحر من أجل الحياة – مجرد الحياة ، يناوشه الغرق ، و ينهكه الصراع ، و عندما تمتد له يد المساعدة ، فتنتشله قوارب النجاة ، أو يصل إلى بر الأمان ، يحس وقتها أنه فاز و نجا من الكرب العظيم .

ترى إن أقبلت ساعة النهاية ، هل سيكون عليه أن يفكر في هذه الأشياء ؟ أم أنه سينشغل بأمور أخرى ؟

...

وعكة 1 "ليس هناك داع للقلق" ، قالها الطبيب ، و معها إرشادات العلاج ، إلا أنه مطالب بالتوقف ، و التقاط الأنفاس ، تساءل بقلق : "و لكن هذا يعني البقاء في الفراش!" ، و لم يكن لدى الطبيب استعداد للتفاوض في هذا الشأن .

...

أحيانا يفتقد الإنسان التوازن فيندفع في بعض جوانب حياته ، و يهمل جوانب أخرى ، فيسبب ذلك الاندفاع اختلالا في الحياة كلها يفقده الاتزان ، و يسلبه الاختيار .

و رغم ذلك يكرر الإنسان هذا ، و ينسى أن لديه في النهاية قدرات محدودة ، و عليه أن يسير في حياته وفقا لأولوياته ، و عليه أن يسعى ما وسعه السعي ، و ليس عليه إدراك النجاح في كل نواحي الحياة ، و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

قد يركن البعض منا إلى الراحة و الدعة ، فيخسرون كل هدف في الحياة ، و البعض الآخر منا قد يستنفذ طاقته و حياته في الجري وراء الأهداف ، و قد يحترف بعضنا الشكوى و البكاء و الحيرة ، و لا يفلح حقا إلا من استطاع أن يحدد أولوياته ، و أهم أهدافه ، و سعى لها سعيها ، و علم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

...

عندما احتدم الموج من حولي ، و وجدت الماء يسد الطريق بيني و بين الحياة ، نسيت قوارب النجاة ، و يئست من ملامسة قدمي لأرض ، و ابتل قلبي بحزن عميق بعمق البحر ، وجدت اسمك يجري على شفتي ، و لهج لساني بذكرك ، و تذكرت بحارا كثيرة سقطت فيها ، و أنقذتني منها بقوتك و فضلك – بحار مرض ، و بحار فشل ، و بحار حيرة ، و بحار يأس ، و بحار خوف ، و بحار وحدة ، و بحار ألم ، و بحار ضعف ، و بحار ملل ، و بحار غباء ، و غيرها الكثير .

يا رب نجني ، و كن ناصري و معيني ، برحمتك استغيث ، أصلح لي شأني كله ، و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين .

...

بعد انتهاء الوعكة ، و عودة الأمور إلى طبيعتها ، ظل يذكر ما مر به ، و ما عرف من الحق ، و ناجى ربه من جديد :

يا رب قد تجف قدميّ ، و تسرع خطواتي ، و رغم الأرض الصلبة من تحتي ، إلا أنني أعلم أنها ما هي إلا جزيرة وسط البحار المتلاطمة ، و أن اليم ينتظرني ، و ألا مهرب لي منك سواك .

* اللوحة للفنان محمد حجي

* تحديث : إقرأ باب فى نهاية النفق لأحمد عبد العدل ، و وعكة جنة

20 سبتمبر 2008

تراويح

تراويح 1

فيما بين الركعات ، و بينما كنا نستعد للدخول في الصلاة التالية ، و في انتظار الإمام ركزت بصري في موضع السجود ، استجلابا للخشوع ..

في هذا الوضع لم ألاحظ إلا صفوف المصلين من حولي ، الصف الموجود أمامي مباشرة ، و ما أمامه من صفوف ، و الصف الذي أقف فيه .

في هذه اللحظة ارتفعت بعيني خيالي لأنظر إلى صفوف ممتدة بامتداد البصر ، لم تعد صفوف الصلاة من حولي محددة بحدود المسجد ، لقد تخيلت أن صفوف مسجدي امتدت لتلتصق بصفوف مسجد مجاور ، ثم تمازجت الصفوف بين جميع مساجد المنطقة ، تماما كما تتمازج أصوات الآذان بين المؤذنين ، لا يعرف هذا الإحساس إلا من يعيش في مدينة بها آلاف المآذن كالقاهرة .

التصقت قدميّ و أكتافي بمن حولي بالصف ، أشعر بوحدة مع من يصلون من حولي ، لم يعد كل منا فرد ، و إنما نحن جماعة ، نتجه كلنا اتجاه واحد ، و لهدف واحد .

كنت أفكر أن هذه الصلاة يشترك فيها معنا أهل بلدي جميعا ، أرى الصفوف الآن تتشابك بين جميع أحياء مدينتي ، و المدن الأخرى من حولها ، الجميع يغرق في صلاة واحدة ، و الصفوف تمتد بعيدا ، أبعد من أن يحتويها بصري .

يستوي الصف بعدما تحرك كل منا حركة طفيفة ، كل منا تخلى عن موقعه الأصلي في سبيل صف واحد ، لم تكلفنا هذه التسوية سوى أن يلين كل منا في يد أخيه ، هناك من لا يدرك هذا المعنى ، و لكن المسئولية مشتركة بيننا جميعا .

كانت الصفوف الآن تمتد لتشمل جميع الأقطار المسلمة ، و لتشمل أيضا أقليات منعزلة ، تحاول أن تنتظم معنا في نفس الصلاة رغم بعدها ، و كانت بعض الصفوف خلف جدران عازلة ، بعضها يصطف تحت الدبابات ، و بعضها يدوي من حولها صوت القذائف .

حصلت بعض الصفوف على تصريح من قوات احتلال أجنبية على الدخول في الصلاة ، و فرضت صفوف أخرى نفسها بالرغم من أنف حاكمي بلادها .

كانت صفوف المسجد الأقصى في القلب من الصلاة ، و حنت القلوب لصفوف مسجد الرسول ، و كان الصف الأول في أشرف مكان في المسجد الحرام .

تراويح 2 عندما فكرت في اختلاف الأعمار و اللغات و الأحوال و الأفكار بين جيراني في صلاتي ، تذكرت الموعد السنوي الذي يوحدنا كل عام ، بدأت أرى من حولي وجوه اعتدت أن أراها في صلاتي و افتقدتها هذا العام ، رأيت في صلاتي أصدقاء غابوا من المكان ، و لكنهم يصلون في مكان آخر ، و رأيت أصدقاء غابوا عن الدنيا ، و لم ينقطع عملهم فيها .

رأيت أبي الذي رحل عن دنيانا منذ سنين طوال ، و رأيت أبيه الذي لا أذكر تفاصيل حوار بيني و بينه ، بل رأيت إخوة لي سبقوني في الإيمان لم أعاصرهم ، دعوا لي في صلاتهم هذه ، و أدعو لهم أنا أيضا في صلاتي ، رأيت الغزالي و ابن رشد متجاوران في الصف رغم خلافهما ، و رأيت أئمة ، و أولياء ، و تابعين .

رأيت بعيني خيالي الصفوف الأولى في الزمان ، في مسجد صغير مغطى بسعف النخيل ، و مفروش بالحصباء ، تزدهر بالصحابة ممن يحمل التاريخ لكل منهم موضعا خاصا ، و لا إمام لهذه الجماعة إلا واحد فقط ، إمامنا جميعا صلى الله عليه و سلم .

توحدت في الجماعة ، ذبت فيها ، لم أعد أشعر بفرديتي و خصوصيتي ، أصبحت لونا صغيرا في لوحة عملاقة ، لوحة هي الأمة .

أفقت على صوت الإمام يدخل في الصلاة ، اعتدلت في وقفتي و أنا أتمتم "إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون" .

الله أكبر

* اللوحة للفنان محمد حجي

تحديث : أصداء تراويح ما أحلى الجماعة في مدونة اه منك يا دنيا

13 سبتمبر 2008

مادة الحلم

مادة الحلم

التليفزيون

أنا من الجيل الذي ولد أمام شاشة التليفزيون ، اعتدنا وجود هذا الجهاز كجزء من حياتنا يدخل في نسيج الطقوس اليومية ، في فترة الطفولة كانت هناك أشياء تفقد طعمها ، بل تفقد معناها إذا غاب التليفزيون ، أما الآن – و رغم اكتساب التليفزيون أبعاد جديدة من خلال التنوع الهائل في قنوات البث و المواد المذاعة – فقد التليفزيون نفسه معناه بالنسبة لي .

في فترة تكون الوعي الأوَلي في طفولتي ، في تلك الفترة التي أحسست فيها كأني كنت أحلم ، و بدأت أتيقظ لما حولي ، في تلك الفترة كنت أندهش من التليفزيون ، و رغم اعتياده أظن أن كل الصغار اندهشوا بشكل أو بآخر لما يروه داخله ، و بالنسبة لي كنت أحاول أن أعرف كيف يحدث ما أراه أمامي داخل التليفزيون ، و لم ترضيني كل التفسيرات التي سمعتها ، بالنسبة لي كانت المعضلة الرئيسية هي المادة التي تتكون منها الصورة داخل هذا الصندوق .

كنت أريد أن ألمس الصور التي أراها خلف زجاج التليفزيون ، بدت لي هذه الطريقة الوحيدة للتيقن من كنه و ماهية ما أراه ، و كان التحدي في الوصول إلى ما وراء الزجاج .

كنت أختلس النظر من خلال الفتحات في ظهر الجهاز ، و أحاول أن أبحث عن أي فتحة تسمح بدخول يدي لألمس تلك المادة الحلم ، و باءت كل محاولاتي بالفشل ، حتى تلك اللحظات النادرة التي كنت أرى فيها التليفزيون مفتوحا لإصلاحه لم تكن ترو غليلي .

لم يبق من هذا الفضول سوى عادة أن أربت على زجاج التليفزيون أثناء مروري بجانبه لعلي أجد فتحة تقودني إلى الداخل !

الحلم

ما فاق فضولي بجهاز التليفزيون في طفولتي ، كان فضولي تجاه الأحلام التي أراها و أنا نائم ، تلك الأحلام التي أعيش فيها و أتخيل أنها حياتي الحقيقية ، ثم أصحو لأكتشف أنها أحلام .

ما هي الأحلام ؟ سؤال لم أجد له إجابة عند الكبار . و كيف نذهب إلى تلك الأماكن التي نراها في الحلم ؟ و كيف نرى أشياء لم نعرفها من قبل ؟ و كيف يكون الحلم بهذه الدقة ، و الجمال أحيانا أو الرعب أحيانا أخرى ؟

أسئلة عديدة لم أجد لها أجوبة ، حتى عندما كبرت قرأت عنها نظريات ظنية ، و لا علم يقيني حولها أبدا ، و من أكبر الأسئلة التي أرقت طفولتي كانت عن حدود الحلم : كيف أعرف أنني أحلم ؟ و كيف أتأكد أنني الآن في الحقيقة ، و ليس الحلم ؟ و ما الفرق بينهما ؟ ثم تعود دورة الأسئلة من بدايتها .

عندما كنت أصحو و أنا أحس بحلاوة في فمي ، أو أتلمس بيدي شيئا ما مازلت أحس بملمسه من الحلم ، أو أسترجع نداء مازال صداه يتردد في أذني ، في تلك اللحظات بين الحلم و اليقظة كنت أحاول أن ألمس و أكتشف مادة الحلم نفسها .

الحياة

مادة الحلم 2 و أنا في المرحلة بين الطفولة و الشباب حدث أن سمعت الشيخ في المسجد يقول الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .

أيقظت هذه الكلمات فضولي القديم في اكتشاف الفارق بين الحلم و الحقيقة ، و حاولت أن أفهم المعنى المقصود ، و عرفت أن هذه الكلمات تنسب لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، و أخذت أتساءل أسئلة كثيرة ..

ترى هل الحياة من حولنا حقيقة ، أم أن ما نراه حولنا من مظاهر هي من صنع مادة الحلم أيضا ؟ العلم يقول أن الألوان التي نراها لا وجود لها إلا من خلال ترجمة المخ لأطوال موجية مختلفة كالشفرة ، و أن الطعم و الرائحة ما هي إلا شفرات كيميائية بالمثل ، و كذلك كل ما نرى و نسمع و نلمس ليس إلا ترجمة حواسنا المحدودة لواقع مختلف تماما .

من ناحية أخرى تختلف حياة المشاعر عن كل مظاهر الحياة المادية ، فيمكن أن تمر بنفس الأماكن و الأشخاص و تراهم و تفهمهم بشكل مختلف تماما كلما اختلفت حالتك النفسية ، فما الحقيقة ؟

و ماذا عن الروح ؟ إننا نؤمن بالغيب كله و لا نراه ، و نعلم أن الحياة كما نعرفها فصل واحد من رواية طويلة تتعدد فصولا ، و من مات لا يعود ليخبرنا بما رأى من فصول جديدة ، و لا نرى لمحات منها إلا من خلال إيماننا بالغيب .

إذا ما هي الحقيقة ؟ هل يأتي اليوم الذي أنتبه فيه و أكتشف أن كل ما عشته و كل ما فعلته كان حلما ؟ ترى أين مكاني الحقيقي ؟ ما هو مصيري ؟ هل أحسنت الاختيار أم أسأته ؟

قرأت آلاف الكتب لأعرف الحقيقة بشكل يقيني ، و كأنني طفل يختلس النظر لما وراء زجاج التليفزيون ، و خذلتني مكتبتي ، فلا أجد ملجأ لي سوى الإيمان ، و أتذكر "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" .

...

أربت على زجاج التليفزيون أثناء مروري بجانبه كالعادة ، أبتسم و أنا أفكر أن هذا التليفزيون – مثل كل شيء آخر أعرفه – صنع من مادة الحلم .

 

* شكر خاص للفنان محمد الشناوي على لوحة مادة الحلم .

21 أغسطس 2008

صلوات مسروقة

صلوات مسروقة 1 كان الجو حارا ، و كنت في عجلة من أمري ، مررت بالمكان سريعا ، و فكرت أن أقف لألقي التحية على صديق قديم لي ، و لكنني قدرت أن الوقت غير مناسب بالنسبة لي ، لقد مضى زمن طويل بعد آخر لقاء ، و أحب أن أقضي معه وقت طويل ، و أن أسترخي في لقاءنا ، فوسط التعامل مع مشاكل الحياة ، و بين قسوة معاملات البشر ، أحب أن أكون في جلستي معه طبيعيا ، بسيطا ، هادئا .

أحسست بضيق لأنني لم أتمكن من لقاءه لنفس هذا السبب مرات عديدة سابقة .

قررت أن أصلي الظهر في مكتبي .

...

بعد يوم حافل من العمل ، حاولت أن أنهي كل مسئولياتي العاجلة قبل انصرافي ، و استغرق هذا وقتا لا بأس به ، و عندما كنت في الطريق المزدحم أحسست بالحاجة لأن أتنفس ، اتصلت بأحد أصدقائي لألقي إليه بهمومي ، و رغم انشغاله ، و رغم أنني لم أصرح له بضيقي ، قال لي : "مال صوتك؟" ، قلت : "ماله؟" ، قال : "إيه اللي مضايقك؟" ، من المريح أن أجد من يسألني هذا السؤال لأجيبه ، ليس علي أن أبرر مواجعي و أنا أحكيها ، هو يريد أن يسمعني .

بالرغم من هذا لاحظت انشغاله ، هو الآخر يحاول أن يعيرني اهتماما بينما ظروفه لا تسمح ، أنهيت المكالمة و أنا أفكر في معنى الوحدة .

حمدت الله أنني صليت العصر قبل أن أتحرك .

...

كان الوقت ضيقا من جديد ، و لم أستطع أن أنهي كل ما أردت ، أحيانا أحلم بيوم طوله 30 ساعة ، تخيل 6 ساعات إضافية كل يوم !

لما تشعبت بي الأفكار في أودية الحيرة ، أخذت أدفع الخواطر و أنا أصلي المغرب ، و وجدت أن الأولى أن أحلم بمشاغل أقل ، فهذا أجدى من يوم طوله 30 ساعة يمكنني ملؤه بسهولة أيضا .

...

قرأت كثيرا في المساء حتى اختلطت الحروف بالمعاني ، نمت و أنا مشفق من ساعات مزدحمة في صباح جديد ، لم أتذكر ماذا قرأت بعد الفاتحة في صلاة العشاء .

...

صلوات مسروقة 2 عندما قمت لصلاة الصبح ، كان الهدوء يدفعني للتأمل ، و كان أثر النوم يجعلني أطلق العنان لأفكاري كأنما أحلم ، كنت أتساءل عن قيم الحياة ، و أولوياتها ، و أهدافها ، و هل أسعى حقا لتحقيق هذه الأهداف ؟ هل وضعت الأهم في موضعه ؟ هل انشغلت بما أنا له عما هو لي ؟ هل كانت الاختيارات صحيحة ؟ أم أنني أخدع نفسي ؟

فجأة و كأنما صحوت من حلم ، أجد أنني حدت عن الطريق في مواطن محددة ، رحت أضع يدي على مواطن الخلل ، اكتشفت قصورا و تقصيرا ، عاهدت نفسي على أداء مهام تأخرت فيها ، و عقدت العزم على تجنب الانشغال بأمور أخرى . و بوضع خطة كاملة لما أريد أصبح الطريق واضحا أمامي ، و أيقنت أن التزامي بهذه الخطة يرضي قيمي ، و أولوياتي ، و أهدافي .

...

كلما أفقت من غفلتي ، أحاول أن أحافظ على وضوح الرؤية ، و على وجود خطة دائما ، و ذلك حتى أتجنب أن تمر علي أيام أتسأل فيها ماذا فعلت لآخرتي اليوم سوى .. صلوات مسروقة .

 

* اللوحات للفنان محمد حجي

08 أغسطس 2008

هل أنت مستعد؟

هل أنت مستعد

من وقت لآخر عندما أستيقظ من غفلتي ، أفاجئ نفسي بسؤال محرج : هل أنت مستعد؟

أحيانا أتساءل عن استعدادي لامتحان ، أو لموقف صعب ، أو لفتنة مستترة ، أو لمصيبة غير متوقعة ، و أحيانا أتساءل عن استعدادي للموت .

...

أفقت من غفلتي من جديد ، و تساءلت هذه المرة : هل أنت مستعد لرمضان؟

أعتقد أن الكثير من الناس يحدث لهم مثلي ، و يعرض لهم من يذكرهم بماذا يعني رمضان ، و كيف نستعد لرمضان ، و كيف نغتنم رمضان ، و كيف لا نضيع رمضان ، و ما إلى ذلك من موضوعات ، و تأتي التذكرة عن طريق رسالة بريدية ، أو درس في التليفزيون ، أو خطبة جمعة ، أو حتى حديث عابر .

أعتقد أننا قد لا نتفاعل مع هذه التذكرة بما يتناسب معها في كثير من الأحيان ، و ذلك بسبب طول الأمل و التسويف ، أي أننا نطمئن أنفسنا بأنه مازال هناك متسع من الوقت لإدراك المأمول ، و نؤجل التحرك و التفاعل مع الموضوع ، و أعتقد أن أكثرنا جرب من قبل الإحساس بمحاولة إدراك رمضان في آخر أيام شعبان ، أو أول أيام رمضان ، أو ليلة القدر ، أو ليلة العيد ! و هناك من لا يدرك ما فاته إلا بعد ذلك ، و لا عزاء له .

و بما أن الموضوع مطروق بشدة ، فلن أتحدث عما يمكن عمله استعدادا لرمضان من ذكر ، و استغفار ، و صيام تطوع ، و قراءة قرآن ، و صدقة ، و صلة رحم ، و إنما أشير إلى بعض أبواب الخير مما يغفل عنه الناس مع عظم أجره .

1- التبرع بأشياء عينية للمحتاجين مثل الملابس ، و الشنط ، و البطاطين ، و غيرها من الأشياء ، و إذا كنت لا تعرف بماذا تتبرع ، أو كيف ، أو لمن فاشترك بسرعة في المشروع الرائع بؤجة الخير .

2- تحضير شنط رمضان للفقراء و المساكين ، و ستجد الكثير من الجمعيات الخيرية و المجموعات في كل مكان تساعد في هذا النشاط ، و لكن يجب أن تتحرى أن تصل الشنط لمن يستحقها بالفعل ، فالهدف ليس تحضير الشنط في حد ذاته . و إذا أحببت أن توجه هذه الشنط للمنطقة المذكورة في موضوع على الهامش ، فأرسل لي إيميل لمعرفة المكان و طريقة الاتصال بالجمعيات التي تعمل هناك .

3- ذكر من حولك ، و انتهز كل فرصة لتفتح هذا الموضوع معهم ، فهذا سيضمن لك ألا تغفل ، و أن تستعد فعلا .

هلا تساعدني بذكر أبواب أخرى للخير؟

...

أجاهد نفسي لأستعد ، و مع مرور الوقت أعود و أنتبه من غفلة جديدة ، و يرهقني السؤال الذي يبحث عن إجابة صادقة ، فأعيد طرحه على نفسي ، و على من حولي :

هل أنت مستعد؟

 

* اللوحة للفنان محمد حجي

05 يوليو 2008

خطيئتي الأولى

خطيئتي الأولى

من أكثر شخصيات القرآن التي أحس بتشابه بيني و بينها شخصية أبونا آدم عليه السلام ، فلست معصوما من الخطأ لأشبه أحدا من الأنبياء المعصومين ، و لست حكيما كلقمان ، و لا مجاهدا عالما كذي القرنين . و أحاول أن أتمسك بنموذج آدم عندما أرى من حولي أشباه ابن نوح ، و أبو إبراهيم ، و زوجة لوط ، بل و أشباه فرعون و هامان و قارون . فمن تشبه أنت ؟

أما أوجه التشابه مع آدم فهي كثيرة ، فلقدت خلقت بريئا عديم الخبرات ، و لكنني وجدت بين يدي منهجا قويما ، و الحمد لله على نعمة الإسلام و القرآن ، و وجدت من نعم الله الكثير مما لا يقدره الإنسان إلا حين افتقاده ، و علمت أن لي عدوا هو الشيطان لم أره ، و لم أعرف كيف تبدو الوسوسة ، و لكنني صدقتها حين سمعتها رغم التحذيرات المسبقة ، و يا أسفا لقد أكلت من الشجرة تماما مثل آدم ، و من منا لم يفعل ؟

التجربة

جاءت الوسوسة كطرقات مستمرة على نقطة ضعف في كياني الذي ركبت فيه غرائز متنوعة ، فمثلما كانت وسوسة آدم تستغل غريزتي التملك و حب الخلود لديه في إغوائه ، فقد جاءت الوسوسة إلي بما يتوافق معي ، و أخذت تهون علي المعصية ، و تخفي عني عواقبها ، حتى انشغلت بها ، و انصرفت عن التعلق بأمر الله فنسيت .

كانت لحظة الأكل من الشجرة محيرة مربكة ، فللمرة الأولى أعصي ربي ، و رغم حلاوة الثمرة في فمي ، فقد امتلأ حلقي بغصة ، فالتجربة الحقيقية ليست كالحلاوة المشتهاة ، كان الأمر أشبه بالخدعة ، فلم تطفئ الشجرة ظمأي ، و إنما أشعلت النار في قلبي ، كانت المرة الأولى التي أرى فيها الجانب المظلم من نفسي ، أردت أن أعود نقيا كما كنت ، أردت أن أكذب نفسي ، أنا لست سيئا ، لا يمكن أن أكون ، الآن أرى نفسي و الحياة بشكل مختلف .

أخذت أجري و أهيم على وجهي ، أنا مخطئ يا ويلي ، أبتعد عن ربي في كل واد ، أختبئ من نفسي بين الأشياء ، و لكن الأشياء لا تخفيني عن نفسي ، و لا ينفع الابتعاد مع رب الأرض و السماء . أجرب كل طريقة ، أسلك كل درب ، أكره نفسي للحظات ، و لكنني أخاف عليها ، أجرب البدائل الواحد تلو الآخر ، فلا ينفعني شيء .

تدركني لحظة الحقيقة ، لحظة أن أذكره ، أتت هذه اللحظة عند قراءة آية من القرآن ، أو أتت عند سماع موعظة ، أو أتت عند رؤية إنسان يتعذب ، أو أتت عندما حملت عزيزا مات ، لا أذكر كيف أتت ، و لكنني في مواجهة نفسي عرفت الحقيقة ، و عرفت أنني لابد أن أرجع إليه ، يا رب لم أجر هربا منك ، و لكن جهلا و حياء منك .

تأتي لحظة التوبة كفيض غامر على أرض قاحلة ، تروي و تغسل ، تعيد الحياة و الأمل ، كيف يعيش الإنسان بلا توبة ؟

ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين .

الصراع

تاب الله على آدم و لكنه طرده من الجنة ، و لا ألوم على آدم خطيئته الأولى ، فلقد عشت تجربته ، و أكلت من الشجرة بعد المرة مرات ، و ذقت طعم شجر مختلف ، و كان درس آدم في التوبة هو طوق النجاة ، و كانت رحمة الله التي وسعت كل شيء هي السبب في عدم طردي ، و مازلت أطمع في العودة إلى موطن أبي القديم - الجنة .

أما إبليس فقد يئس من رحمة الله ، و لا أصعب من عدو يائس ، فأحاول أن أحذر من عدوي الذي يعمل على طردي كما طرد هو ، و إن غلبني في جولة ، فإنني أقوم و أستعد لأصارعه في بقية جولات حياتي بحول الله وحده .

07 يونيو 2008

عبور الحياة

عبور الحياة هل تشعر في أي وقت من الأوقات أنك حائر في حياتك ؟ هل تتساءل أحيانا عن مصيرك ، و عن طريقك الذي اخترته في الحياة ، و أين يتجه بك هذا الطريق ؟ هل تفكر في الأسلوب الأنسب لعبور هذه الحياة ؟ هل تحاول أن تستشف مستقبلك ، و أن تتحرك في الاتجاه الصحيح لتعيش حياة آمنة ، و في نفس الوقت ترضي ربك ؟
أنا أشعر مثلك ، و تؤرقني نفس التساؤلات ، أبحث عن إجابات واضحة لها ، و أحاول أن أعبر الحياة بالشكل الأمثل .
مرت بخاطري بعض هذه الأفكار عندما سمعت حديث موحي و بليغ لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يقول : « يا أبا ذر ، أحكم السفينة فإن البحر عميق ، واستكثر الزاد فإن السفر طويل ، وخفف ظهرك فإن العقبة كؤود ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير» ، و الحديث غني بالمعاني لأقصى حد ، و يعج بالإشارات و التلميحات العميقة المؤثرة لمن تفكر فيه للحظات .
و ملخص فكرة الحديث كما فهمته يدور حول كيفية التعامل إجمالا مع هذه الحياة حتى نصل عبرها إلى بر الأمان ، و لو أنني فهمت هذه المعاني بالشكل الصحيح ، فإن هذا لعمري هو إجابة كل الأسئلة السابقة ! و لكي أكون أكثر دقة فإن الحديث لا يوجهك بأسلوب إفعل و لا تفعل ، و لكنه يستخدم أسلوب راقٍ في التربية ، يقدم لك إشارات على الطريق ، تعينك على الاختيار الصحيح في كل موقف في حياتك ، و لا يعي هذه الإشارات إلا من كان له قلب ، أو ألقى السمع و هو شهيد ، و لا يلتزم بهذه الإشارات إلا من تعلق قلبه بهدف الوصول إلى بر الأمان .

أحكم السفينة فإن البحر عميق

فلكي تعبر بحر الحياة يجب أن تسد النقص و الخلل في سفينتك التي تعبر بها ، بمراقبة نفسك ، و إصلاحها ، و تأديبها . أنظر إلى مواضع العيب و النقص و اتخذ قرارك لتصلح من شأنك ، و انشد إتقان كل ما تفعل بقدر الاستطاعة .

استكثر الزاد فإن السفر طويل

و خير الزاد التقوى و العمل الصالح ، فما أطول السفر إلى الآخرة ، و ما أصعب ظلماته ، و ما أقسى أن تشعر بالأسى على عمر ضاع بغير استزادة ، و ما أشد ندم إنسان تقطعت به السبل بعدما نفد زاده . انتهز الفرصة و تزود الآن ، و لا تتردد في عمل ما يكثر زادك مهما كلفك الأمر .

خفف ظهرك فإن العقبة كؤود

ما أثقل الذنوب و المعاصي في يوم يحمل كل منا أحماله و أعماله على ظهره ، و ما أصعب الموقف عند محاولة اجتياز العقبات و نحن ننوء بهذه الأحمال . إن الذكي هو من انتبه لهذا من الآن و تخفف من أحماله ، فقم الآن بوضع هذه الأثقال ، و ابحث عن كل طريقة تعينك على هذا .

أخلص العمل فإن الناقد بصير

من أكثر ما قد يفزع الإنسان فكرة ألا يقبل عمله لشبهة رياء أو تصنع ، و من منا يضمن لنفسه إخلاص ؟ و لا سبيل لتهدئة هذا الخطر إلا التوجه بالعمل لوجه الله وحده ، و ألا ننتظر شكرا أو إعجابا من الناس ، و إنما نتحرى في أعمالنا رضا الله ، و إن سخط علينا الناس ، و أن نتجنب غضب الله ، و إن رضي عنا الناس .
و بعد ، صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أعاننا الله على أن نلزم غرسه .
و الآن قارئي العزيز ، ساعدني ، و قل لي ما هي الخطوة الأولى التي قررت أن تخطوها في سبيل عبور الحياة بأمان ؟

28 مايو 2008

سعادة الدنيا

سعادة الدنيا

لحظات رائعة ، الخضرة حولي من كل مكان ، متناسقة و أنيقة بشكل يثير الدهشة بقدر ما يثير الإعجاب ، تنتشر في السماء سحب بسيطة تداعب الشمس ، تبقي للسماء زرقتها المحببة ، و لا تحجب عن العالم نور الشمس ، لا يكدر صفحة الهدوء سوى صوت خرير الماء ينساب فيداعب العقل و الخيال فلا يترك مجالا لحزن أو حقد أو قلق أو غضب ، أصوات الطيور و حركتها تمنع اللوحة من أن تكون مملة ، بالأحرى هي تثير التأمل و الطيران بأجنحة التفكير ..

في وسط هذا كله أجد من حولي من أحب ، بلا مكدرات و لا منغصات ، و أتعجب لأنه لا توجد مسئوليات تضطرني لقطع هذه اللحظات كما هي العادة . إن لم تكن هذه هي السعادة ، فما هي السعادة إذا ؟

أين الخلل ؟

رغم كل شئ أجد شيئا في نفسي يرفض الاستكانة و الراحة ، شئ ما يقول أن هناك خدعة . أتلفت ، أبحث عن موضع الخلل فلا أجد شيئا ! على العكس أكتشف جوانب أخرى للبهجة بسبب عدم وجود أي خلل ..

و لكنني في الحقيقة أعرف السبب ، السبب الذي ينغص علي لحظات السعادة ، و هو فكرة أن هذه السعادة مؤقتة ، يالها من فكرة تؤلمني ، أتملص من الفكرة ، أهرب منها ، فأجدها تلوث هذه اللحظات الثمينة . هل هذا معقول ؟ نعم ستنتهي هذه اللحظات ، و ستصبح ذكرى أتمنى أن تعود ، و ربما تنسيني ما تحمله الأيام من آلام ما أشعر به الآن .

راح عقلي يقارن ما بين سعادة الدنيا و سعادة الآخرة ، ما بين المؤقت و المستمر النهائي المؤبد ، ما بين المزيف و الحقيقي ، فقط سعداء الآخرة يمكنهم أن يقروا عينا بما هم فيه ، و لا ينعم سعداء الدنيا إلا بلحظات مسروقة ، مؤقتة ، و مزيفة .

...

إنتهت تأملاتي بانتهاء لحظات السعادة التي أدركت حتى قبل أن تنتهي أنها غير كاملة ، و أخذت أتذكر المسئوليات و المشاغل التي تنتظرني ، و لم يبقى معي من تلك اللحظات التي تبدو الآن بعيدة بعيدة إلا ذكريات سعيدة .

دعاء

اللهم اجعلنا من سعداء الدنيا و الآخرة

اللهم اجعل سعادتنا في الآخرة أكبر من سعادتنا في الدنيا

اللهم لا تجعل سعادة الدنيا تغرنا عن سعادة الآخرة

اللهم اجعل تمام سعادتنا في رؤية وجهك الكريم

و الحمد لله رب العالمين