قلت لصديقي أثناء خروجنا من أحد بوابات الحرم المكي : لقد اكتشفت أن رحلة الهجرة إلى الله متمثلة في الحج أو العمرة تدفع الإنسان دفعا ليكتشف حقائق الحياة ، و لتسقط من أمام عينيه جميع الأقنعة .
قال صديقي : إن الحج رحلة فريدة ، فهي رحلة إلى الله ، يكون الإنسان فيها في قمة السمو الروحي و الأخلاقي ، و هو مؤتمر سنوي دعا إليه رب البشر ، فهو اجتماع في أشرف البقاع من أجل تحقيق أشرف الغايات ، و في أشرف الأوقات .
قلت له : إن الإنسان يشعر بشعور غريب و هو يعيد اكتشاف نفسه هنا ، و هو يتحرك بدافع غامض يخرجه من كل ما ألفه في حياته .
قال : إن هذا الشعور الغامض هو شعور حب و أمان ، أنت تشعر أنك خرجت لأن أحدا قد دعاك ، و أنه ينبغي عليك أن تذهب ، أنت لا ترى وجه الداعي أو تسمع صوته ، غير أنك واثق أنه قد دعاك ، و ينبغي أن تلبي .
إنه هوى في القلب لا يعرفه إلا من ذاقه ، يتحدث أهل الهوى عن الحب من أول مرة ، أما هذا فحب قبل المعاينة ، ترى هذا الهوى فرحا في وجه من وفقه الله فتحرك لأداء الشعيرة ، و تراه أيضا في دموع انحدرت على وجنتي من حيل بينه و بينها .
و انطلاقا من هذا الفهم رحت أرصد خلال رحلة العمرة هذه الأقنعة و هي تسقط أمام عينيّ الواحد تلو الآخر :
قناع البراءة
مع مرور الوقت بالإنسان يعتاد أخطاءه ، و يظن أن عيوبه و خطاياه صغيرة ، فيتشاغل عنها ، و يقنع نفسه بأنها بسيطة و يمكن علاجها حينما يريد ، و يعزي ما يقع فيه من مشاكل إلى الآخرين و الظروف متناسيا أنه غفل عن إصلاح نفسه في المقام الأول ، و هكذا يتحول إحساسه بالبراءة إلى مشكلة مزمنة لا حل لها .
قناع الاستقرار
هو الظن بأن الحياة ستظل دائما كما هي الآن ، فيرسم الإنسان صورة مستقبله بفرض امتداد جميع الخطوط على استقامتها ، و هو في هذا ينسى أن التغيير هو سنة في الحياة ، و أن الاستقرار ما هو إلا أمل زائف . و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، و ما تدري نفس بأي أرض تموت .
قناع الألفة
يظن كل إنسان أن ما ألفه في حياته هو الصحيح ، و يعيش يرتب خططه حسب هذه الألفة ، بل و يتوقع من الآخرين أن يتحركوا وفقا لمعاييره الخاصة ، و يستنكر أن يرى سلوكا أو قولا يخالف ما ألفه ، رغم أن اعتياد كل منا لما يعرفه لا يعني في الواقع كثيرا بالنسبة للآخرين .
قناع الأهمية
يعمي الإنسان الظن بأن ما يفعله لازم و ضروري لاستمرار الحياة ، بل و يعتقد أن رزقه و رزق الآخرين متوقف على مجهوده ، كذلك يعتقد بأن غيابه عن محيط عمله أو أسرته أو أصدقائه سوف يتسبب في شلل الحياة ، ثم يفاجأ بأن الحياة تستمر في حال وجوده كما في حال غيابه ، فيفقد إحساسه بالأهمية معناه .
قناع السببية
إن الظن بأن الأسباب الظاهرة هي ما يحرك الأحداث يجعل الإنسان ينسى مسبب الأسباب ، رغم أن كل منا قد رأى في حياته ما يثبت أن الدواء في ذاته لا يشفي ، و أن المال لا يغني ، و أن أسباب السعادة قد تشقي ، بل أننا عندما تنقطع بنا الأسباب نلجأ لمن ينجينا بلا أسباب ، و رغم ذلك كله يمنعنا قناع السببية من استخدام التوكل بشقيه الأخذ بالأسباب و الطلب من الله .
قناع القرب
قد يرتبط الظن بقرب و بعد الأشخاص بمقدار التعامل اليومي معهم ، و ذلك بالرغم من أن الحب قد ينشأ بين من تمتد بينهم المسافات ، و لا يلتقون إلا بعد سنوات ، إلا أن اختبار البعد المادي يجعل الإنسان يعرف فعلا من يحبه في مصلحه ، و من يحبه في الله .
قناع الفهم
إن الظن بأنك تفهم ما يدور حولك بغض النظر عن التفكر في السنن الكونية التي تحكم العالم هو تفكير قاصر ، و يمكن لكل منا أن يضع التصورات و الأفكار الخاصة به لفهم تطور الأحداث و تحرك الأشخاص و تغير العلاقات ، إلا أنه يجب أن يفهم أيضا أن فهمه يظل قاصرا ما لم يحط بسنن الله في الأفراد و المجتمعات و التاريخ .
و بعد ، أجد هذه الأقنعة و غيرها تفرض نفسها مع كل غفلة و نسيان ، أجدها تفسد على الناس حياتهم ، و كلما اكتشفت أحدها على عينيّ أرى الدنيا من خلاله أحاول أن أتذكر رحلة سقوط الأقنعة ، و أحاول أن أعود من رحلتي بلا أقنعة .
* اللوحة للفنان محمد حجي