أشعر أحيانا أنني لا أنتمي إلى هنا ! أعني هذا المكان و هذا الزمان .
أحيانا لا أعرف هل اختلفت الحياة من حولي أنا بصورة سريعة لا أستطيع أن ألاحقها ، أم أن كثير من الناس يشعرون بالمثل ؟
أحيانا أبحث عن أشخاص يشعرون مثلي ، و للعجب أندهش عندما أجدهم !
مشكلتي باختصار هي إحساس مستمر ، و متزايد ، و مؤلم بالإسفاف ، إحساس بانهيار الذوق العام ، إحساس بأن الحياء ذهب بلا عودة ، و أن الناس منبهرين بهذا ، و أن الناس يعتبرون هذا اكتشافا عظيما ، بل و يعتبرون هذا نوعا من اكتمال الحياة ، بل هو سلوك تقدمي كذلك !
كلا يا سادة ، سوف أصدمكم و أقول : لقد تعلمت أن هذه "قلة أدب" منذ أن كنت في سن دخول الابتدائي – أقصد برايماري .
انحطاط الحضارة
لا أنكر أن الأطفال عادة ما يحاولون إثبات أنهم كبارا في مرحلة سنية معينة بتقليد فج للكبار ، و عادة ما يكون هذا التقليد للمظاهر التي لا يجرؤ على فعلها إلا الكبار ، فنجدهم يتلفظون بالكلام الخارج ، أو يبصقون على الأرض ، أو يتعمدون الخشونة في الحديث ، أو يفتعلون المعارك ، أو يدخنون ، الخ .
و عند الأطفال تكون هذه المغامرات نوع من إثبات الذات ، و عادة ما ينقسم الأطفال إلى نوع من اثنين : إما أن ينضج مع السنين و الخبرة ، و الرشد الحقيقي ، فيكتشف أن هذه الأفعال منفرة ، و أن فرض شخصيته على الآخرين يكون بأفعال و أقوال أخرى ، و تتكون هذه الشخصية بحسب العرف و العادات في مجتمعه .
أما النوع الآخر فلا يستقبح القبيح إما لجهله ، و إما لانعدام القدوة المجتمعية أمامه ، فيعتمد مظاهر "قلة الأدب" كدليل فاسد على النضج .
و ما أراه من مظاهر بادية في مجتمعنا تنبئ عن تحول جماعي تدريجي إلى "قلة الأدب" ، فهل يعني هذا أن مجتمعنا يفتقد الرشد اللازم ، و أنه يتحول من مجتمع طفل مشاكس مراهق ، إلى مجتمع فاسد منحل ؟
حضارة الانحطاط
من مظاهر الانحطاط التي تؤلمني تحول الألفاظ التي كانت تعتبر خارجة إلى ألفاظ دارجة ، و تحول استعمالها إلى نوع من المزاح ، و "الشياكة" في الحديث ، و المؤسف أن تجد نساء يستخدمن مفردات قبيحة ، أو لا يتحرجن من التحدث مع من يستخدمها .
أذكر موقف حدث لي في أيام الدراسة ، حينما وقفت زميلة جامعية تحكي نكتة ، و ختمتها بلفظ خارج ، و صدمت أنا بشدة لأنني أقف و أسمع هذه الكلمة أمام بنت ، فما بالك بأنها هي من تقولها ! لدرجة أنني سألتها : "إنت عارفة الكلمة دي معناها إيه؟" – ظنا مني أنها تقولها ببراءة من قبيل الجهل بمعناها الحقيقي ، فقالت من وسط دموع الضحك الهستيري : "أيوه" ، فأحسست أنا بالبراءة لأنني كنت قد عاهدت نفسي ألا أتلفظ بكلمات مماثلة من قبل ذلك الموقف بسنوات .
لم يقتصر الموضوع على فجاجة بنت تحكي نكتة ، بل تطور الأمر لتصبح "قفشات" المسرحيات خارجة ، و كوميديا الأفلام خارجة ، و أصبح التراشق بالألفاظ الخارجة داخل مجلس الشعب و في الصحافة ، و أصبح المعتاد أن نغلق النافذة عند خروج طلبة المدارس المجاورة لأن معظم كلامهم أصبح خارجا ، و حدث و لا حرج عن الإنترنت بمنتدياته ، و غرف المحادثة ، ثم المدونات فيما بعد ، التي أصبح البعض القليل منها يرفع على خجل شعار "مدونة نظيفة" .
كان "الأدب" قبل ذلك و معه سباقا و رائدا في هذا المضمار ، حيث صارت طرق السرد الحديثة رمزا في الغالب ، و أصبح المعتاد أن جوانب الشخصية الروائية لا تنكشف للقارئ إلا بكشف السلوك الجنسي لكل شخصية من الشخصيات ، كما أن استخدام اللغة العامية لابد أن يرصع طبعا بلغة الشارع ، و أصبحت الواقعية عنوان الابتذال في الحكي معنى و مبنى ، فالقارئ لن يقتنع أن البطل رد سجون إلا إذا استخدم أقذع المفردات – واقعية .
ترادف مع هذا كله مظاهر الابتذال و الغرابة الغالب على ملابس الفنانين أولا ، ثم تبعهم الشعب بفئاته – و الفضل يرجع لثقافة الأغاني ، حتى أن من يبحث عن ملابس "طبيعية" قد لا يجدها بسهوله في مدينة عامرة كالقاهرة ، فأصبح الحديث و الإشارة إلى الملابس الداخلية للجنسين حديث معتاد و طبيعي أيضا ، و أصبح ستر العورة فضلا يتغنى به الناس .
و كان التعليم عاملا حاسما في دعم حركة المجتمع نحو الأسفل ، و كان الأمن الحاضر الغائب الذي رأى كل شيء ، و لزم دوره في خدمة "الوطن" لا المواطن ، وتزامن مع هذا أيضا انتشار الفساد و الاحتكار و الاستبداد و الاستغلال بألوانه المعروفة للجميع ، و توارت القدوة الشريفة ، أو القدوة التي تتصدى لنماذج الانحراف .
حضارة أم انحطاط ؟
و الآن تكثر في المجتمع تساؤلات مصدومة عن أسباب التحرش الجنسي الجماعي ، و الغش الجماعي ، و الغرق الجماعي ، و التزوير الجماعي ، و البطالة الجماعية ، و جهل الشعب بأبسط حقوقه و واجباته ، و لا أحد يربط هذا بشكل مباشر بقلة الأدب الجماعي أيضا .
إن التفكير البسيط يشير إلى أن هذا التحول المزعج الحاصل في المجتمع ، و الذي يحوله إلى مجتمع إسفاف و ابتذال و سوء أخلاق ، قد يكون هو سبب مشاكلنا الجماعية ، و كفى بشيوع البلوى سببا في العقاب الجماعي .
إن رفض كل منا لهذا التحول الكريه قد يكون هو كل ما نملك فعله الآن ، و هذا الرفض يجب أن يكون صادقا ، و عمليا ، و فوريا .
لقد امتلكنا شجاعة الأطفال الصغار في مغامرتهم ليثبتوا أنهم كبارا ، فهل نكون بشجاعة من نضجت شخصيته فيفرضها برغم طفولة المجتمع ؟
* اللوحة للفنان محمد حجي
* تحديث : هل يمكن التصدي لقلة الأدب ؟