حنين جارف يمر به ، يبعث الدفء في قلبه ، و يرهف إحساسه .
ظلت رؤية السماء من خلال أوراق الشجر تمثل له ذكرى طفولية رغم مرور الأعوام ، و رغم أنه يرى السماء و الأشجار كل يوم ، إلا أنه يعيش لحظات طفولة متكررة عندما يرى نور السماء يمزق أستار عتمة الأوراق المتراكمة .
مثل هذه الذكرى البسيطة مازالت تبعث فيه إحساسا بالدفء و الأمان ، فعندما كان يشعر بالخوف في طفولته ، عندما يتكاثف داخله و من حوله الخوف أو البرد أو الوحدة أو الظلام ، كان يتعمد وقتها أن يتذكر مشهد أوراق الشجر ، و هو ينظر من تحتها ، ليرى من خلال خضارها زرقة السماء و بياض السحاب ، فتبعث في نفسه دفء الشمس ، و جمال الشجر ، و أمان الضياء و الصحبة .
أسرار صغيرة
يحتفظ الإنسان بمثل هذه الذكريات البسيطة ليتحمل مرور السنوات ، و مرارة التجارب ، و يجدها تطفو على السطح عندما يغرق في المشاكل و المسئوليات ، فتمثل له مهربا و نجاة .
و لعل كل منا لديه أسرارا صغيرة يحتفظ بها لنفسه لتشعره بمتع نقية ، عاشها في طفولته ، أو حتى حلم بها ، فيعاودها من آن لآخر ، لتعاوده تلك المتع . فمن ينسى مثلا إحساسه الأول بحب بعض الآخرين له ، عندما اكتشفه في موقف أو كلمة ؟ و من ينسى حلم ساذج برئ راوده ، و عاش سنين يتخيله و يتمناه ؟
و تظل بعض هذه الأسرار قابعة في ثنايا الذاكرة ، بينما يضيع بعضها الآخر بالنسيان ، فلا يدري الإنسان أيها يفتقد : هذه التي يذكرها ، أم تلك التي نسيها ؟ و لكنه يعلم على أية حال أن كل منها يشكل قطعة منه .
و بقدر ما تعيد هذه الأسرار الإنسان لبداياته الأولى ، بقدر ما تشعره أنه أصبح شخصا آخر ، شخصا غريبا لا يجمعه بذلك الشخص الأصلي إلا - فقط - هذه الأسرار الصغيرة .
الجنوبي
أشعر بالرغبة في قراءة أول الجنوبي لأمل دنقل حيث يقول :
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها
المنطمس
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أم ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغربية
إلا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم – فجأة –
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها
فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس.
عجبي يزيد عندما أتذكر أنه كتب هذه الأبيات كإرهاصات احتضار ، و أقرأها كعلامة على حياة .
قطعة مني
عندما أتأمل طفلا صغيرا ، و هو يخطو خطواته الأولى في الحياة ، أشعر أنني أرى معجزة الحياة و الخلق تتكرر ، إن هذا وعي جديد يتشكل أمامي ، و تنبني معه أحلام جديدة ، و رؤى ، و منطلقات ، تمهد لفهم جديد مبني على نجاحات و إحباطات آتية في الحياة .
و هذا كله بدوره يشكل قطعة جديدة مني .