‏إظهار الرسائل ذات التسميات أطفال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أطفال. إظهار كافة الرسائل

25 يناير 2009

قطعة مني

قطعة مني

حنين جارف يمر به ، يبعث الدفء في قلبه ، و يرهف إحساسه .

ظلت رؤية السماء من خلال أوراق الشجر تمثل له ذكرى طفولية رغم مرور الأعوام ، و رغم أنه يرى السماء و الأشجار كل يوم ، إلا أنه يعيش لحظات طفولة متكررة عندما يرى نور السماء يمزق أستار عتمة الأوراق المتراكمة .

مثل هذه الذكرى البسيطة مازالت تبعث فيه إحساسا بالدفء و الأمان ، فعندما كان يشعر بالخوف في طفولته ، عندما يتكاثف داخله و من حوله الخوف أو البرد أو الوحدة أو الظلام ، كان يتعمد وقتها أن يتذكر مشهد أوراق الشجر ، و هو ينظر من تحتها ، ليرى من خلال خضارها زرقة السماء و بياض السحاب ، فتبعث في نفسه دفء الشمس ، و جمال الشجر ، و أمان الضياء و الصحبة .

أسرار صغيرة

يحتفظ الإنسان بمثل هذه الذكريات البسيطة ليتحمل مرور السنوات ، و مرارة التجارب ، و يجدها تطفو على السطح عندما يغرق في المشاكل و المسئوليات ، فتمثل له مهربا و نجاة .

و لعل كل منا لديه أسرارا صغيرة يحتفظ بها لنفسه لتشعره بمتع نقية ، عاشها في طفولته ، أو حتى حلم بها ، فيعاودها من آن لآخر ، لتعاوده تلك المتع . فمن ينسى مثلا إحساسه الأول بحب بعض الآخرين له ، عندما اكتشفه في موقف أو كلمة ؟ و من ينسى حلم ساذج برئ راوده ، و عاش سنين يتخيله و يتمناه ؟

و تظل بعض هذه الأسرار قابعة في ثنايا الذاكرة ، بينما يضيع بعضها الآخر بالنسيان ، فلا يدري الإنسان أيها يفتقد : هذه التي يذكرها ، أم تلك التي نسيها ؟ و لكنه يعلم على أية حال أن كل منها يشكل قطعة منه .

و بقدر ما تعيد هذه الأسرار الإنسان لبداياته الأولى ، بقدر ما تشعره أنه أصبح شخصا آخر ، شخصا غريبا لا يجمعه بذلك الشخص الأصلي إلا - فقط - هذه الأسرار الصغيرة .

الجنوبي

أشعر بالرغبة في قراءة أول الجنوبي لأمل دنقل حيث يقول :

هل أنا كنت طفلاً

أم أن الذي كان طفلاً سواي

هذه الصورة العائلية

كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي

رفسة من فرس

تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس

أتذكر

سال دمي

أتذكر

مات أبي نازفاً

أتذكر

هذا الطريق إلى قبره

أتذكر

أختي الصغيرة ذات الربيعين

لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها

المنطمس

أو كان الصبي الصغير أنا ؟

أم ترى كان غيري ؟

أحدق

لكن تلك الملامح ذات العذوبة

لا تنتمي الآن لي

و العيون التي تترقرق بالطيبة

الآن لا تنتمي لي

صرتُ عني غريباً

ولم يتبق من السنوات الغربية

إلا صدى اسمي

وأسماء من أتذكرهم – فجأة –

بين أعمدة النعي

أولئك الغامضون : رفاق صباي

يقبلون من الصمت وجها فوجها

فيجتمع الشمل كل صباح

لكي نأتنس.

عجبي يزيد عندما أتذكر أنه كتب هذه الأبيات كإرهاصات احتضار ، و أقرأها كعلامة على حياة .

قطعة مني

عندما أتأمل طفلا صغيرا ، و هو يخطو خطواته الأولى في الحياة ، أشعر أنني أرى معجزة الحياة و الخلق تتكرر ، إن هذا وعي جديد يتشكل أمامي ، و تنبني معه أحلام جديدة ، و رؤى ، و منطلقات ، تمهد لفهم جديد مبني على نجاحات و إحباطات آتية في الحياة .

و هذا كله بدوره يشكل قطعة جديدة مني .

13 سبتمبر 2008

مادة الحلم

مادة الحلم

التليفزيون

أنا من الجيل الذي ولد أمام شاشة التليفزيون ، اعتدنا وجود هذا الجهاز كجزء من حياتنا يدخل في نسيج الطقوس اليومية ، في فترة الطفولة كانت هناك أشياء تفقد طعمها ، بل تفقد معناها إذا غاب التليفزيون ، أما الآن – و رغم اكتساب التليفزيون أبعاد جديدة من خلال التنوع الهائل في قنوات البث و المواد المذاعة – فقد التليفزيون نفسه معناه بالنسبة لي .

في فترة تكون الوعي الأوَلي في طفولتي ، في تلك الفترة التي أحسست فيها كأني كنت أحلم ، و بدأت أتيقظ لما حولي ، في تلك الفترة كنت أندهش من التليفزيون ، و رغم اعتياده أظن أن كل الصغار اندهشوا بشكل أو بآخر لما يروه داخله ، و بالنسبة لي كنت أحاول أن أعرف كيف يحدث ما أراه أمامي داخل التليفزيون ، و لم ترضيني كل التفسيرات التي سمعتها ، بالنسبة لي كانت المعضلة الرئيسية هي المادة التي تتكون منها الصورة داخل هذا الصندوق .

كنت أريد أن ألمس الصور التي أراها خلف زجاج التليفزيون ، بدت لي هذه الطريقة الوحيدة للتيقن من كنه و ماهية ما أراه ، و كان التحدي في الوصول إلى ما وراء الزجاج .

كنت أختلس النظر من خلال الفتحات في ظهر الجهاز ، و أحاول أن أبحث عن أي فتحة تسمح بدخول يدي لألمس تلك المادة الحلم ، و باءت كل محاولاتي بالفشل ، حتى تلك اللحظات النادرة التي كنت أرى فيها التليفزيون مفتوحا لإصلاحه لم تكن ترو غليلي .

لم يبق من هذا الفضول سوى عادة أن أربت على زجاج التليفزيون أثناء مروري بجانبه لعلي أجد فتحة تقودني إلى الداخل !

الحلم

ما فاق فضولي بجهاز التليفزيون في طفولتي ، كان فضولي تجاه الأحلام التي أراها و أنا نائم ، تلك الأحلام التي أعيش فيها و أتخيل أنها حياتي الحقيقية ، ثم أصحو لأكتشف أنها أحلام .

ما هي الأحلام ؟ سؤال لم أجد له إجابة عند الكبار . و كيف نذهب إلى تلك الأماكن التي نراها في الحلم ؟ و كيف نرى أشياء لم نعرفها من قبل ؟ و كيف يكون الحلم بهذه الدقة ، و الجمال أحيانا أو الرعب أحيانا أخرى ؟

أسئلة عديدة لم أجد لها أجوبة ، حتى عندما كبرت قرأت عنها نظريات ظنية ، و لا علم يقيني حولها أبدا ، و من أكبر الأسئلة التي أرقت طفولتي كانت عن حدود الحلم : كيف أعرف أنني أحلم ؟ و كيف أتأكد أنني الآن في الحقيقة ، و ليس الحلم ؟ و ما الفرق بينهما ؟ ثم تعود دورة الأسئلة من بدايتها .

عندما كنت أصحو و أنا أحس بحلاوة في فمي ، أو أتلمس بيدي شيئا ما مازلت أحس بملمسه من الحلم ، أو أسترجع نداء مازال صداه يتردد في أذني ، في تلك اللحظات بين الحلم و اليقظة كنت أحاول أن ألمس و أكتشف مادة الحلم نفسها .

الحياة

مادة الحلم 2 و أنا في المرحلة بين الطفولة و الشباب حدث أن سمعت الشيخ في المسجد يقول الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .

أيقظت هذه الكلمات فضولي القديم في اكتشاف الفارق بين الحلم و الحقيقة ، و حاولت أن أفهم المعنى المقصود ، و عرفت أن هذه الكلمات تنسب لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، و أخذت أتساءل أسئلة كثيرة ..

ترى هل الحياة من حولنا حقيقة ، أم أن ما نراه حولنا من مظاهر هي من صنع مادة الحلم أيضا ؟ العلم يقول أن الألوان التي نراها لا وجود لها إلا من خلال ترجمة المخ لأطوال موجية مختلفة كالشفرة ، و أن الطعم و الرائحة ما هي إلا شفرات كيميائية بالمثل ، و كذلك كل ما نرى و نسمع و نلمس ليس إلا ترجمة حواسنا المحدودة لواقع مختلف تماما .

من ناحية أخرى تختلف حياة المشاعر عن كل مظاهر الحياة المادية ، فيمكن أن تمر بنفس الأماكن و الأشخاص و تراهم و تفهمهم بشكل مختلف تماما كلما اختلفت حالتك النفسية ، فما الحقيقة ؟

و ماذا عن الروح ؟ إننا نؤمن بالغيب كله و لا نراه ، و نعلم أن الحياة كما نعرفها فصل واحد من رواية طويلة تتعدد فصولا ، و من مات لا يعود ليخبرنا بما رأى من فصول جديدة ، و لا نرى لمحات منها إلا من خلال إيماننا بالغيب .

إذا ما هي الحقيقة ؟ هل يأتي اليوم الذي أنتبه فيه و أكتشف أن كل ما عشته و كل ما فعلته كان حلما ؟ ترى أين مكاني الحقيقي ؟ ما هو مصيري ؟ هل أحسنت الاختيار أم أسأته ؟

قرأت آلاف الكتب لأعرف الحقيقة بشكل يقيني ، و كأنني طفل يختلس النظر لما وراء زجاج التليفزيون ، و خذلتني مكتبتي ، فلا أجد ملجأ لي سوى الإيمان ، و أتذكر "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" .

...

أربت على زجاج التليفزيون أثناء مروري بجانبه كالعادة ، أبتسم و أنا أفكر أن هذا التليفزيون – مثل كل شيء آخر أعرفه – صنع من مادة الحلم .

 

* شكر خاص للفنان محمد الشناوي على لوحة مادة الحلم .

20 يوليو 2008

هل تعرف نوع ذكاءك ؟

هل تعرف نوع ذكاءك منذ نحو 25 عاما فقط ظهرت نظرية جديدة عن الذكاء ، هذه النظرية توضح أن الذكاء ليس بالبساطة التي يمثلها اختبار معامل الذكاء التقليدي ، و هي توضح أيضا أن كل إنسان لديه جوانب من الموهبة و التميز ، و عليه لم يعد الناس يصنفون إلى أذكياء و أغبياء .

في الماضي كان المعتقد أن الذكاء هو عامل واحد في الإنسان ، و أنه متوارث ، أما اليوم يعتقد الكثير من العلماء أن الذكاء ينقسم إلى أنواع مختلفة ، و أن هذه الأنواع مستقلة عن بعضها البعض تماما ، و كل نوع من أنواع الذكاء تكون له جوانب قوة و عوامل محددة له مستقلة أيضا عن باقي أنواع الذكاء .

تم تقسيم الذكاء إلى ثمانية أنواع (و البعض يضيف أنواعا أكثر) ، مسئول عن كل منها مراكز معينة في المخ ، و كل إنسان في العالم يكون متميزا في نوع واحد أو في عدة أنواع من الذكاء ، و من عجائب قدرة الله أنه حتى المعاقين ذهنيا قد يتميزوا في أنواع معينة من الذكاء .

الذكاء اللغوي و اللفظي : يتعلق بمهارة استخدام الكلمات ، فيجيد صاحب هذا الذكاء الكتابة ، و القراءة ، و التحدث ، و هي مهارات أساسية لدى الكتاب ، و الشعراء ، و المحامون ، و كل الأعمال التي تتطلب خطابة و تحدث إلى مجموعات من الناس .

الذكاء المنطقي و الرياضي : يتعلق بمهارة حل المسائل الحسابية و المنطقية ، فيجيد أصحابه حل الألغاز ، و معرفة كيفية عمل الأشياء ، و فهم الاكتشافات الجديدة ، كما أنهم عادة يتعلمون استخدام الكمبيوتر بسهولة .

الذكاء الفراغي (المكاني) : يتعلق بالتعامل مع الصور و الأشكال ، فيتذوق صاحبه الفنون التشكيلية و التصوير ، و يحب الرسم ، و يلاحظ التفاصيل الدقيقة ، و يجيد التعامل مع الخرائط و الاتجاهات الجغرافية .

الذكاء الجسدي و الحركي : يتعلق بالمهارات الحركية و الرياضية ، فيجيد أصحابه استخدام أيديهم في تركيب الأشياء ، و يجيدون التسلق ، و لديهم اتزان في الحركة ، و عادة يستطيعون ممارسة رياضات مختلفة .

الذكاء الموسيقي : يتعلق بالموسيقى و الألحان ، فيتذوق صاحبه الموسيقى ، و يتذكر الأغاني القديمة ، و يميز النغمات المختلفة ، و يميز بين أصوات و أساليب قراء القرآن الكريم ، و قد يجيد العزف على الآلات الموسيقية .

الذكاء الاجتماعي : يتعلق بالتعامل مع الناس ، فيكون صاحبه مستمع جيد ، يقرأ ملامح الناس ، يستطيع أن يقدر الناس بشكل صحيح ، يستمتع بالحوار ، يحس بمشاعر من حوله ، و هي مهارات مفيدة للمعلمين ، و رجال المبيعات ، و الدعاة ، و القادة السياسيين .

الذكاء الشخصي (الداخلي) : يتعلق بالقدرة على التحليل ، فيستطيع صاحبه أن يفكر كثيرا و بعمق ، و يكون على دراية بمواطن القوة و الضعف في نفسه ، عادة ما يسجل ملاحظاته ، و يفكر في الحياة بعمق .

الذكاء البيئي : يتعلق بفهم الطبيعة من حوله ، فيستمتع بالمناطق الطبيعية كالصحاري و البحار ، و يقرأ حول الطبيعة ، و يهوى تصنيف و جمع الأشياء كأوراق الشجر و الصدف ، كما يحب دراسة النباتات و الأشجار المحيطة به .

و من عيوب التعليم التقليدي أنه يركز على أول نوعين فقط من الذكاء ، بينما يجب استغلال سنوات التعليم في خلق توازن بين تنمية هذه الأنواع من الذكاء ، و ذلك بزيادة جرعة الفنون ، و الأنشطة اليدوية و الرياضية ، و التدريب على التنمية الذاتية ، و أساليب الاتصال مع الآخرين ، و الإدارة ، و البحث ، و غيرها الكثير ، و غني عن الذكر أن نظامنا التعليمي لا ينمي حتى هذين النوعين الذين يهتم بهما !

و لكن ماذا عنك أنت ؟

هذه النظرية قد تكون معروفة للكثير من الناس ، حيث تم تناولها كثيرا في الفترة الأخيرة ، و لكن هل فكرت كيف تستفيد منها ؟ إن الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها .

الفكرة أنك متميز حتما ، و يجب أن تكتشف مواطن تميزك و تنميها ، و قد تتاح لك الفرصة لتختار عملك و هواياتك وفقا لها ، و حتى بافتراض أن هذا متأخر بالنسبة لسنك أو لوضعك – رغم أنني أشك في هذا – فالأمر مازال متاحا بالنسبة لأبنائك إذا كان لديك أبناء ، أو إذا كنت تعمل في مجال يتيح لك الاختلاط بالأطفال و التأثير فيهم .

إن المهمة الأصعب التي تواجه أمتنا هي بناء الإنسان ، و أية فرصة لتكملة هذا البناء و تجميله هي واجب على كل فرد منا .

إن لكل نوع من أنواع الذكاء المذكورة اختبارات يمكن أن يتحدد بها مستوى أي شخص فيها ، و توجد تدريبات و نشاطات لتنميتها ، و يمكن في حال اكتشاف شخص متفوق في نوع معين أن يتم توجيهه لمجالات عمل يتفوق فيها ، و يحبها .

للاستزادة حول هذا الموضوع

أفضل موقع وجدته بالعربية على الإنترنت يحتوي على كيفية التعرف على وجود كل نوع لدى طفلك ، و كيفية تنميته : صيف ذكي جدا

موقع ويكيبيديا للتعرف على النظرية و مراجعها

موقع آخر يشرح النظرية و به العديد من المراجع

اختبر ذكاءك الآن و تعرف على مستوى أنواع الذكاء لدى كل شعب في العالم

16 يوليو 2008

الدروس المستفادة من قصة حياتي

قصص

الدروس المستفادة مثل جميع الأطفال كنت أحب القصص و أنا صغير ، و خاصة القصص المصورة ، و كان وجود كتب جديدة يمثل لي متعة لا مثيل لها . كانت معظم القصص في ذلك الزمن تنتهي بقائمة أسئلة تختبر معرفة الطفل بتفاصيل القصة ، و عادة ما تحتوي هذه القائمة على السؤال الخالد التالي : ما هي الدروس المستفادة من القصة ؟

لم أكن أحب هذه الأسئلة ، فهي تعطيني الانطباع بأنني أمسك كتاب المدرسة للقراءة ، كما أنني لا أحتاج إلى كثير من الذكاء حتى أقرر أن الأمير اللطيف ابن الناس المكافح و الذي واجه التنين هو الطيب ، و أنني يجب أن أكون مثله ، أسمع كلام أمي ، و أغسل أسناني يوميا ، الخ . و حتى الآن لا أحب أن أقحم أسئلة لا لزوم لها في أي موضوع ، و أندهش من مقدرة الكثير من الناس على تناول الموضوع الواضح البسيط بالعديد من الأسئلة و الأجوبة التي لا تأتي من منطلق التحليل ، و إنما من قبيل تزجية الوقت أو "اللت و العجن" .

و بالرغم من هذا كنت أقرأ هذه الأسئلة و أجيب عليها ! و السبب في ذلك أنني كنت أحب الكتب جدا ، و كنت أقضي أوقات طويلة في القراءة ، مما يضطرني إلى إعادة قراءة كل الكتب المتاحة و المناسبة لسني ، و أظل أبحث عن أي شيء جديد أقرأه لدرجة أنني كنت أقرأ حتى الفهرس ، و أراجع أرقام الصفحات لأتأكد أن المطبعة لم تنس أحد الأرقام ، و أضع علامات على الغلاف الأخير على أسماء باقي كتب السلسلة الموجودة لدي ، و بالطبع كنت أقرأ الأسئلة و أجيب عليها أيضا .

و مع ذلك كنت أفرح عندما أفتح كتابا جديدا و لا أجد فيه قائمة الأسئلة إياها ، و كأنني تخلصت من عبء ثقيل .

قصة حياتي

قصة حياتي لم أكن أعلم وقتها أن قصة حياتي أيضا ستكون مليئة بآلاف المواقف التي تتطلب طرح أسئلة ، و لكن لن تكون هناك قائمة أسئلة مطبوعة ، هذه المواقف يمر بها الكثير إن لم يكن معظم الناس ، و لكن بعضها يستحق وقفة تأمل لاستخلاص الدروس المستفادة منها .

عادة لا تكون هذه الأسئلة سهلة و مباشرة ، بل قد تكون محيرة و مركبة ، تتناول الأحداث لتحللها ، و المواقف لتقيمها ، و الأشخاص لتصنفهم ، كل ذلك وفقا لمعتقداتي و خلفيتي الثقافية ، بل إنها قد تطرح احتمالات لا نهاية لها حول كل موقف من نوعية : ماذا لو ، ماذا لو لم ، لم لا يحدث كذا و كذا ، و غيرها الكثير .

و بقدر صعوبة هذه الأسئلة في بعض الأحيان تكمن أهميتها ، فبناء عليها قد أتخذ قرارا ، أو أغير موقفا ، أو أختار اتجاها ما ، و هذا كله يخلق مواقف جديدة تتطلب أسئلة جديدة .

و لكنني اكتشفت أن المطابع - للأسف - لا تنتج هذا النوع من الأسئلة ، و إنما علي أنا أن أبحث عنها بنفسي ، و في بعض الأحيان لا يكون الهدف الإجابة عليها ، و إنما يكفي أنني أستطيع طرحها .

الدروس المستفادة

ربما تسألني الآن : و ما هي الدروس المستفادة من قصة حياتك ؟ فأقول كثيرة ، و بالرغم من أن معظم هذه الدروس شخصية إلا أن بعضها قد يكون عاما ، و لعله يستحق الإشارة إليه بالفعل ، و لكنه قد يبدو بالنسبة لأي شخص غيري نصائح و مواعظ مباشرة ، و لن يكتسب نفس قيمته لدي ، قيمة التجربة . و أعتقد أن الأهم لكل شخص أن يستخلص الدروس المستفادة من قصة حياته هو .

و الآن ماذا عنك أنت ، هل وجدت الدروس المستفادة من قصة حياتك بعد ؟

10 يوليو 2008

البدايات و النهايات

البدايات و النهايات

تنتاب الإنسان حيرة حين يخرج عن المألوف من معتاد حياته اليومية ، و أقصى خروج عن المألوف هو مواجهة البدايات و النهايات . إكتشفت خلال الساعات القليلة الماضية مدى صعوبة مواجهة هذه الحيرة في نفس الوقت الذي أتعامل فيه مع تفاصيل الحياة "العادية" .

...

كان الأمس يوما غير عاديا بالنسبة لي ، كان علي أن أواجه إحدى البدايات .

موظفة الاستقبال : "الإسم و السن و العنوان و رقم التليفون" ، كانت هذه التفاصيل مرعبة بالنسبة لي ، و كأنني لا أحفظها منذ سنين ، أسمع الإجابة سريعة و كاملة ، أفكر في نفسي : "كيف لها القدرة على التماسك و فعل هذا ، بينما أتلعثم أنا ؟"

...

تختلط الدعوات بالأفكار بالعبرات بآيات القرأن ، و أكتفي بأن الله يعلم السر و أخفى ، هو أدرى بحالي مني ، و هو وحده يملك الإجابة ، سبحانه .

...

تفاصيل كثيرة ، لا أفهم الكثير منها ، أردد بعضها لاعتقادي أن هذا يفيد ذاكرتي ، أتحرك و أسأل و أجيب ، و يبقى عقلي معلق بأسئلة أساسية ، "إطمن كل حاجة كويسة" ، أشتبك في تفاصيل جديدة ، و تنهكني الأسئلة ، فلا تفيد عقلي التفاصيل .

...

تقول الممرضة : "معلش متخافش ، ده شيء عادي" ، أفكر أنه شيء عادي بالنسبة لها ، و ليس بالنسبة لي . في لحظات محيرة مثل تلك يبدو الطبيب و الممرضة و حتى رجل الأمن على باب المستشفى أشخاصا أسطوريين ، حكماء و يمتلكون الحقيقة ، إن ما يحدث ما هو إلا شيئا عاديا بالنسبة لهم ، إن بداية إنسان أو نهاية إنسان لهي أشياء تحدث آلاف المرات يوميا ، و لكن ليس بالنسبة لي . إنها لحظة تعري الحقيقة ، تجعلني أتساءل آلاف الأسئلة ، تعيد طرح أسئلة ظننت أنني امتلكت إجاباتها ، و لكن الحقيقة أنني اعتدت الحياة في ظلها بلا إجابة . تزيد حيرتي عندما أصر على أن أجد إجابة و أنا تحت ضغط الموقف .

...

أقول في اتصال هانفي : "هم كويسيين دلوقت الحمد لله" ، تصلني رسالة مربكة و أنا أنهي الإتصال ، فأقوم بعمل اتصال جديد لأتأكد من الخبر ، خبر موت غير متوقع هو ، و لكن منذ متى كانت أخبار الموت متوقعة ؟ يلح على ذهني سؤال مع رنين الهاتف : و لكن الموت هو الشيء الوحيد المتوقع ، فلماذا تطغى مشاعر الصدمة على الحزن أحيانا ؟ أسمع الإجابة على الهاتف : "حادثة عربية" ، أغلق الخط و أنا متحير ثانية : كيف تكون حوادث الطرق السبب الأول للوفيات في مصر و مع ذلك نصر على أنها "حادثة" ؟ إنها تبدو لي قتلا متعمدا يجب أن يحاكم المسئول عنه . من جديد أجد حيرة النهايات تختلط عندي بحيرة البدايات .

ما بين البدايات و النهايات أتعجب من قدرة هذا القلب على التقلب بين مشاعر الحزن و الفرح ، إن أحدى معجزات الله في خلق الإنسان أن جعل هذا القلب يتقلب في رهافة و سرعة لا يجاريه فيهما شيء ، فتجد عبرات الحزن تختلط بضحكات الفرح أحيانا .

...

تصلني رسالة صديقي : "بورك في الموهوب ، و شكرت الواهب ، و رزقت بره ، و بلغ أشده" .

ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، لقد ولد مصطفى إبني بالأمس و الحمد لله ، أسأل الله تعالى أن يبارك فيه ، و أن يجعله من الصالحين ، و أن يجعله قرة عين لي و لوالدته ، و أن ينفع به الإسلام و المسلمين ، و الحمد لله رب العالمين .

16 يونيو 2008

فوانيس الحياة

فوانيس الحياة عاش هذا الكتاب في مكتبتي أكثر من خمسة و عشرين سنة ، ثم انتقل إلى مكتبة أبنائي الآن . بحثت عن كتاب "فوانيس الحياة" للكاتب الصحفي علي أمين على الإنترنت فلم أجد له أثرا ، فربما تكون هذه الكلمات هي كل ما كتب عنه في عالم الويب ، هذا في الوقت الذي تسود فيه الصفحات كتابة عن كتب أقل ما توصف به أنها تافهة .

عنما قرأت هذا الكتاب لأول مرة ، كان بالنسبة لعقلي الصغير مجموعة من الحواديت المسلية ، و عندما قرأته بعدها مرات أخرى كان نبع إنساني عميق للحكمة و المعاني الطيبة ، في بساطة شديدة ، و في لغة يفهمها حتى الأطفال .

ما أشبهه اليوم حين أقرأه بمدونة مطبوعة ! تمتلئ بذكريات و بشخصيات ، و كل صفحة فيه تقدم وجبة سريعة بقيمة فكرية جميلة . و لا أجد شيئا أشكر به الكاتب رحمه الله سوى بنقل إحدى مقالات الكتاب هنا ، و كم أتمنى أن يقرأ كثير من الناس ما يحتويه هذا الكتاب الممتع .

لا يكفي أن تقول يا رب ! *

سألت أمي مرة : "لماذا يعيش الله دائما في السماء .. لماذا يبتعد عنا و نحن في حاجة إليه ؟"

فقالت لي أمي : "إن الله يقترب من الذين يؤمنون به ! إنه لا يتركهم وحدهم . إنه يبارك كل خطوة من خطواتهم ."

فقلت لها : "أنا مؤمن بوجود الله ! و مع ذلك ففي كثير من الأحيان أقول "يا رب" و أحس أن الله لا يسمعني !"

فقالت لي : "لا يكفي أن تؤمن بوجود الله .. يجب أن تساعد الناس ! فإن الله يحب الذين يساعدون الناس !"

و عشت أحاول مساعدة الناس . أحيط الطفل المحروم بحبي ، و أخفف آلام المريض باهتمامي به . و أعيد ثقة المظلوم بعدالة السماء بالوقوف بجانبه . و أحاول أن أقتسم "لعبي" الصغيرة مع الأطفال الذين ليس في أيديهم "لعب" يلعبون بها ! و كنت أقتسم الشوكولاته مع الأطفال الذين حولي !

و أحسست بعد ذلك أن الله يقترب مني ! و رأيت الله عدة مرات !

و كان الله يعطيني أضعاف أضعاف ما طلبته من السماء !

و في بعض الأحيان كنت أستنجد بالله ، فلا أجده في جانبي ، فأراجع نفسي و أحاول أن أصحح الأخطاء التي وقعت فيها ، و أعود إلى مناداة الله !

و اكتشفت أن السماء تسعف الذين يستنجدون بها إذا عملوا عملا صالحا ، و إذا أعطوا جزءا من حبهم أو مالهم أو اهتمامهم لشخص نسيته الدنيا في سرعة دورانها !

لا يكفي أن تقول : "يا رب !"

ساعد الذين يحتاجون إلى المساعدة ثم تطلع إلى السماء !

فالسماء لا تتخلى أبدا عن الذين يساعدون الناس !

* صفحة 37 من كتاب فوانيس الحياة ، علي أمين – طبعة سنة 1979 دار الشروق

02 مايو 2008

حوار بين طفل ساذج و قط مثقف

"كانت خصلات شعري شديدة النعومة عميقة السواد ، و كان للقط شعر فضي أشيب يميل إلى الصفرة ، و قد أوقعني الفارق بين اللونين قي البحر فلم أفهم ، ليس سهلا على الجزء الطفل من سواد الليل أن يفهم حكمة البداية الأولى للفجر .. لابد أن يدخل الشعر الأسود دورة الويل و يتحول إلى البياض لكي يفهم .."

قرأت هذا الكتاب للكاتب المبدع أحمد بهجت منذ ما يزيد عن عشرين عاما ، كنت إنسانا آخر حينئذ ، لم أكن قد تعلمت شيئا بعد – باعتباري قد تعلمت الآن ! – و قد كان هذا الكتاب علامة في ثقافتي ، و عندما أراه في مكتبتي من وقتها و حتى اليوم لا أقاوم أن أتصفحه ، و أعدت قراءته كاملا مرات عديدة .

طفل ساذج و قط مثقف هذا الكتاب لا يقارن عندي إلا بالقصة الأسطورية الأمير الصغير ، فعلى قدر بساطة أحداثه و كلماته فهو ملئ بأفكار و أحاسيس لا يفهمها إلا من عاشها ، و هو كذلك يذكرني بقصائد ت. إس إليوت عن القطط !

و قد أتيح لي أن أقرأ هذا الكتاب و أنا طفل ساذج أيضا ، و أتعجب عندما أقرأه الآن من أن الأسئلة السهلة و المباشرة هي فقط ما نحصل عليه في رحلة العمر ، أما ألغاز الحياة و الموت و الحب و الألم و غيرها الكثير فتظل أسرار يعجز عن حلها الفلاسفة و الحكماء .

ما هي الخبرة ؟ هل هي مهارة التعامل مع الأشياء و الأشخاص؟ و ما هي الحكمة ؟ هل هي القدرة على إعادة صياغة الأسئلة بشكل معقد ؟ و من هم الكبار ؟ هل هم القادرون على الكسب و على التعامل مع غيرهم من "الكبار" ؟

"قال القط : الكذب هو ابن الإنسان .. من بين جميع المخلوقات التي خلقها الله فإن أشدها تغيرا تحت ضوء القمر هو الإنسان ، و التغير جزء من الكذب ..

قلت : تحابي جنسك من بني الحيوان .

قال : بل أقرر حقيقة .. لا يكذب الحيوان .. يتصرف بدهاء لكنه لا يكذب .. الكذب يحتاج إلى الإنسان .. إلى رقي الإنسان ."

لم يكن الكتاب مغامرات و حوارات ممتعة بين الطفل و القط فقط ، بل إختلطت فيه الحكايات مع الأساطير و الذكريات مع الفلسفة و الإيمان مع الحيرة بالإضافة إلى الكثير من الكوميديا ، فشكلت رحلة استكشاف لأفكار طفل برئ يرى العالم بعيون مندهشة و يكشف زيف كلام و أفعال الكبار و تناقضها مع المبادئ ، كما يفتح نافذة على معنى الفلسفة في عقول الصغار .

"غاظني القط .. و لكنه كان صادقا .. كنت أتبين داخل نفسي – و أنا أصلي – إحساسا بالانتهازية .. إنني أصلي تحت ضغط الحاجة .. تحت ضغط الغرق .. و من يدري هل أداوم على الصلاة بعد أن أنجو إلى البر ، أم أعاود مسيرتي في الجحود .."

من الأشياء الممتعة لي في الكتاب كذلك أنني كانت لي خبرات شخصية كثيرة و صداقات عميقة مع القطط ، و كنت أندهش لتوافق هذه الخبرات مع ما يذكره الكاتب ، و صدق قطه المثقف حين قال "لا تخون القطط إلا إذا جاعت ، و لا تغدر إلا إذا أحست بالخوف و انعدام الأمان" .

كلما تقدم بي العمر و أتيحت لي الفرصة لأتصفح هذا الكتاب الجميل من جديد تعذبني فكرة أنني لم أعد ذلك الطفل الساذج ، و لكنني أنتمي لعالم الكبار أكثر و أكثر .

"عذري أن شعري كان أسود و قلبي كان أبيض ..

حين انداح العذر و غرق ، و تحول الشعر إلى البياض و نضج ، كان القلب يستعير من الشعر نضج لونه الأسود .."

17 أبريل 2008

تناكة

بيقولوا إن الولد ياسين ابني تنك .

من قريب قابلت واحد صاحبي فقال لي "أمال فين ابنك التنك؟" ، قلت له "تنك ليه يعني؟" ، قال لي "يعني .." !

Tanaka و السبب إن الولد جاد ، بمعنى إنه مايهزرش مع واحد مايعرفوش ، و مايسمحلوش إنه يهزر معاه طبعا ، يعني ينفع مثلا إنك تبقى "عمو" كبير و محترم ، و أول ما تتعرف على الولد تزغزغه ؟ طبعا لا تتوقع أكتر من إنه يبصلك من فوق لتحت ، و يمكن يعمل نفسه مكشر شوية علشان تفهم إنه مش راضي عن طريقتك دي في التعارف .

من أسباب "التناكة" برضه إنه مايحبش يمشي حافي ، و مايحبش يفضل يتنطط و يعمل دوشة عمال على بطال في أثناء وجود الضيوف ، و طبعا مايخدش من أي "عمو" أي حاجة يديهاله ، لكن يحب يتفحص الحاجة و غالبا يقول "لأ شكرا" ، ناهيك طبعا عن إنه "يربأ بنفسه" عن إنه يعمل أراجوز قدام سعادتك علشان تتفضل و تقول "ما شاء الله ، ده باين عليه ذكي و أكتيف قوي" !

و الحقيقة إن المشكلة في الكبار اللي بيحكموا على سلوك ملتزم – و إن كان مستفز أحيانا – إنه "تناكة" ، أما السماجة و التناحة بتاعة طفل تلاقيه بينكشك باستمرار بداية من "إيه اللي في إيدك دي يا عمو" و "طب لابسها ليه يا عمو" و وصولا إلى "تدفع كام و تاخدها تاني يا – من غير عمو" هي اللي بتقول إن الولد نبيه و طالع ذكي و لماح .

و في مجتمعنا النهارده لازم الواحد يبقى كلامنجي و بتاع حركات و غمز و "يسلك" في الكلام – بمعنى المراوغة و اللف و الدوران – علشان يبقى ناجح و محبوب ، و لازم الواحد يبقى كل كلامه "يا برنس" ، و "أحلام سعادتك أوامر" ، و "صبح صبح" ، إلى آخره علشان الناس تقول عليه إنه حتة سكرة .

ساعات لما باشوف واحد سمج ، أو متطفل ، أو ماشي عكس الاتجاه بعد ما ادى العسكري سيجارة ، باحس إنه ناقصه حبة .. "تناكة" .