نشأت في بيت به مكتبة كبيرة ، في الواقع كانت هناك أكثر من مكتبة واحدة ، و كانت الكتب الكثيرة تغريني منذ طفولتي أن أحاول أن أقرأ ما تيسر لي منها ، فكنت أكتشف في كل مرحلة كتب جديدة ، تلك الكتب التي أصبحت في متناول عقلي .
كانت كتب الدكتور مصطفى محمود تحتل جانبا هاما من الكتب التي استكشفتها في سنين قراءتي الأولى ، و ظللت أحاول قراءتها سنين حتى تفتحت في عقلي الصغير بعضا من معانيها الكبيرة .
كان بعضها من كتبه الشهيرة مثل حوار مع صديقي الملحد ، و رحلتي من الشك إلى الإيمان ، و بعضها أقل شهرة و لكنه أكثر إلغازا و تعقيدا مثل رأيت الله ، و الوجود و العدم ، و لغز الموت ، و لغز الحياة ، و السر الأعظم .
عشت من خلال هذه الكتب مع شخصيات عجيبة مثل محمد بن عبد الجبار النفري ، و جلال الدين الرومي ، و ابن عطاء الله السكندري ، و غيرهم ، و قرأت نصوصا ملغزة من المواقف و المخاطبات ، و المثنوي المعنوي ، و الحكم العطائية ، و كانت هذه فاتحة لقراءتي الكثير من الكتب و لكثير من المؤلفين الكبار الذين تعرفت عليهم فقط من خلال كتب دكتور مصطفى محمود .
في وقت ما منذ نحو عشرين عاما قررت أنا و صديق لي – في ظل انبهارنا بكتابات الدكتور مصطفى محمود – قررنا أن نقرأ كل ما كتب ، و بالفعل بحثنا عن قائمة كتبه و جمعنا كل ما لدينا منها ، و وجدنا أنه ينقصنا أن نشتري نحو أربعين كتابا له ، و لأننا كنا طلبة و لم نملك المال الكافي اتفقنا على أن يشتري كل منا نصف هذه الكتب ، و أن نتبادلها فيما بيننا لنتمكن من قراءتها جميعا ، و ذلك على مدى نحو العامين ، و بالفعل استطعنا أن ننفذ هذا المشروع لنقرأ كتبا مثل القرآن محاولة لفهم عصري ، و الروح و الجسد ، و حقيقة البهائية ، و الشيطان يحكم ، و نقطة الغليان ، و غيرها الكثير ، فيما عدا عدد محدود من الكتب كانت ممنوعة من التداول في ذلك الحين مثل كتاب الله و الإنسان .
تعلمت من هذه الكتب الفكرة الفلسفية للنظرية النسبية لأينشتين ، قبل أن أدرس معادلاتها الهندسية بسنين ، و تعرفت على تفسير ماركس للتاريخ ، فقرأت عن الماركسية و نقدها ، و فهمت لماذا انبهر العلم بنظرية النشوء و الارتقاء ، رغم رفض الفطرة و الدين لمسألة اشتراك أصل الانسان مع الحيوان ، و انبهرت بنظرية الأحلام لدى فرويد ، و قارنتها بنظريات يونج و غيره ، و قارنتها بعلم النفس القرآني ، و تفسيره للنوم و الأحلام ، و رأيت قدرة الله في المخلوقات و التاريخ ، و "شعرت" بتفسير لآيات لم أكن أفهمها في القرآن من قبل أن "أقرأ" تفسيرها فيما بعد ، و تأثرت برؤية الإنسان يتأرجح ما بين أعلى مراتبه تارة و بين أدناها تارة أخرى .
يرتبط الدكتور مصطفى محمود أيضا في ذاكرتي بصلاة العيد في ساحة مسجد محمود بالمهندسين ، و كانت نقطة تجمع شهيرة ، و أذكر بعض خطب الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله في تلك المناسبة ، كما أذكر الصلاة ليلا خلف القارئ الشيخ محمد جبريل فيما بعد في نفس المسجد .
عندما أتذكر ذلك كله ، لا أستطيع أن أقدر حجم التأثير الذي ساهم به الدكتور مصطفى محمود في تكويني أنا و أمثالي من أبناء جيلي و أجيال أخرى في مصر و غيرها من البلاد ، لا أتمكن من حصر المجهود الذي قام به في مجالات الفكر و العلم و الثقافة و الفن و الخدمات العامة ، لا أتخيل كيف يمكن التعبير عن جميل هذا الإنسان على قراءه و محبيه – فضلا عن رد هذا الجميل ، و ذلك بغض النظر عن اتفاقي أو عدمه مع أي مما عرض من آراء و أفكار .
في نفس الوقت يؤلمني أن يحتضر الدكتور مصطفى محمود في ظل غياب إعلامي (فيما عدا عدد خاص لمجلة الجزيرة الثقافية قبل عام) و رسمي بل و شعبي ، هل هو نكران للجميل أم جهل ؟ عندما يرفض المسئولون المهرولون لخدمة الراقصين و التافهين مد يد المساعدة له أشعر أن خدمته شرف لهم لا يستحقونه ، و لكنه واجب على كل من يحبه .
فهل أطمع أن يكون تكريمه شعبيا بعد أن حرم من تقدير الدول و النخب ؟ هل كثير عليه أن يموت وسط ذكر أحبابه له ؟ هل يكثر على أمثاله أن يدعو له كل من تعلم منه حرفا ، أو أن يتبع جنازته عند وقوع قضاء الله ؟ أسأل الله أن يشفيه و يغفر له ، و أتمنى أن أرى حملة أقلام تذكره و تذكر الناس به ، فالجحود سمة البخلاء .
إن كنت تملك مدونة و قراءا فاكتب عنه بعض الأسطر ..
و إن كانت لديك قائمة بريدية فأرسل لأصدقائك شيئا من أخباره ، أو مقالا تحدث عنه ..
و إن كنت قد قرأت له أو رأيت برنامجه فادعو له ، أو قم بزيارته ..
و لا تكن ناكر للجميل كمن يوزعون الجوائز الملوثة فقط على محترفي صيد الجوائز .
جروبات الدكتور مصطفى محمود على الفيس بوك :
جروب 1 ، جروب 2 ، جروب 3 ، صفحة 1 ، صفحة 2 ، صفحة 3
** تحديث : توفي إلى رحمة الله الدكتور مصطفى محمود صباح اليوم السبت 31 أكتوبر ، إنا لله و إنا إليه راجعون ، أسأل الله تعالى أن يكون تكريمه في الفردوس الأعلى ، و أن يستثمر الناس علمه بالشكل الأمثل ليكون صدقة جارية له بعد وفاته .
