* كلمات الراحل فؤاد حداد رسالة تهنئة و تقدير لشعب تونس الحبيبة
21 يناير 2011
تونس الخضرا
* كلمات الراحل فؤاد حداد رسالة تهنئة و تقدير لشعب تونس الحبيبة
25 يناير 2009
قطعة مني
حنين جارف يمر به ، يبعث الدفء في قلبه ، و يرهف إحساسه .
ظلت رؤية السماء من خلال أوراق الشجر تمثل له ذكرى طفولية رغم مرور الأعوام ، و رغم أنه يرى السماء و الأشجار كل يوم ، إلا أنه يعيش لحظات طفولة متكررة عندما يرى نور السماء يمزق أستار عتمة الأوراق المتراكمة .
مثل هذه الذكرى البسيطة مازالت تبعث فيه إحساسا بالدفء و الأمان ، فعندما كان يشعر بالخوف في طفولته ، عندما يتكاثف داخله و من حوله الخوف أو البرد أو الوحدة أو الظلام ، كان يتعمد وقتها أن يتذكر مشهد أوراق الشجر ، و هو ينظر من تحتها ، ليرى من خلال خضارها زرقة السماء و بياض السحاب ، فتبعث في نفسه دفء الشمس ، و جمال الشجر ، و أمان الضياء و الصحبة .
أسرار صغيرة
يحتفظ الإنسان بمثل هذه الذكريات البسيطة ليتحمل مرور السنوات ، و مرارة التجارب ، و يجدها تطفو على السطح عندما يغرق في المشاكل و المسئوليات ، فتمثل له مهربا و نجاة .
و لعل كل منا لديه أسرارا صغيرة يحتفظ بها لنفسه لتشعره بمتع نقية ، عاشها في طفولته ، أو حتى حلم بها ، فيعاودها من آن لآخر ، لتعاوده تلك المتع . فمن ينسى مثلا إحساسه الأول بحب بعض الآخرين له ، عندما اكتشفه في موقف أو كلمة ؟ و من ينسى حلم ساذج برئ راوده ، و عاش سنين يتخيله و يتمناه ؟
و تظل بعض هذه الأسرار قابعة في ثنايا الذاكرة ، بينما يضيع بعضها الآخر بالنسيان ، فلا يدري الإنسان أيها يفتقد : هذه التي يذكرها ، أم تلك التي نسيها ؟ و لكنه يعلم على أية حال أن كل منها يشكل قطعة منه .
و بقدر ما تعيد هذه الأسرار الإنسان لبداياته الأولى ، بقدر ما تشعره أنه أصبح شخصا آخر ، شخصا غريبا لا يجمعه بذلك الشخص الأصلي إلا - فقط - هذه الأسرار الصغيرة .
الجنوبي
أشعر بالرغبة في قراءة أول الجنوبي لأمل دنقل حيث يقول :
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها
المنطمس
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أم ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغربية
إلا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم – فجأة –
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها
فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس.
عجبي يزيد عندما أتذكر أنه كتب هذه الأبيات كإرهاصات احتضار ، و أقرأها كعلامة على حياة .
قطعة مني
عندما أتأمل طفلا صغيرا ، و هو يخطو خطواته الأولى في الحياة ، أشعر أنني أرى معجزة الحياة و الخلق تتكرر ، إن هذا وعي جديد يتشكل أمامي ، و تنبني معه أحلام جديدة ، و رؤى ، و منطلقات ، تمهد لفهم جديد مبني على نجاحات و إحباطات آتية في الحياة .
و هذا كله بدوره يشكل قطعة جديدة مني .
22 مارس 2008
ظاهرة المسحراتي
اعتاد المسحراتي أن يطوف الشوارع و الأحياء في رمضان . كان هذا فيما مضى من الزمان . أما الآن فقد باع المسحراتي الطبلة ، و استثمر تحويشة العمر في دفتر بريد ، لم يكن من السهل عليه أن يعمل على ميكروباص كما نصحه الأصدقاء .
المشي طاب لي والدق على طبلي
ناس كانوا قبلي قالوا في الامثال
الرجل تدب مطرح ماتحب
وانا صنعتي مسحراتي في البلد جوال
حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال
وكل شبر وحته من بلدي حته من كبدي حته من موال
لاحظت و أنا صغير أن أمي كانت توقظني قبل مرور المسحراتي في ليل رمضان . و كنت أنتظر مروره لينادي على اسمي ، و عادة ما كان يجدني بانتظاره في الشباك . كان يشغل بالي أنني أفسد عمله ، فمن المفروض أن يوقظني هو ، و لم أفهم لماذا لم أكن أسمعه إن لم أكن مستيقظا . كذلك اكتشفت أن نادرا ما كان المسحراتي يوقظ أحدا من اصدقائي . كلنا كنا ننتظره .
مرت الأعوام و لم أعد أنتظر المسحراتي ، و لكني لم أجد إجابة لنفس السؤال : ما قيمة نداء المسحراتي إن لم يجد الناس مستيقظة ؟
اصحى يانايم وحد الدايم
السعي للصوم خير من النوم
دي ليالي سمحه نجومها سبحه
اصحى يانايم يانايم اصحى
وحد الرزاق
لاحظت في حياتي أن ظاهرة المسحراتي تتكرر في كل شيء . المصلون فقط هم من يلبون نداء الصلاة ، و فقط المجتهد ينكب على دراسته عندما يذكره أحد بها ، و لا ينتصح إلا العاقل ، و لا يعتبر إلا ذوي الألباب . ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين : هي سنة إذا .
إن السبات الذي تعيشه أمتنا ليس إلا مجموع غفواتنا جميعا ، و لن تستيقظ الأمة إلا بيقظة كل منا .
إننا بحاجة إلى أكثر من مجرد مسحراتي . إننا بحاجة إلى أن نستيقظ أولا ، و إلا فلن ينفعنا أي مسحراتي .
و إلى أن يحين الفجر ، ابق مستيقظا معي ، و شد من أزري ، و أيقظني إن غفوت ، و أعدك أن أكون بجانبك أيضا . إننا بحاجة إلى كل مسحراتي .
اصحى يا نايم
وحد الدايم
وقول نويت
بكره ان حييت
الشهر صايم
والفجر قايم
اصحى يا نايم
وحد الرزاق
رمضان كريم
* الأبيات للراحل فؤاد حداد
