رؤية نسبية
يعجز الإنسان أحيانا عن فهم مواقف الآخرين ، لا يستطيع أن يستسيغ أفعالهم أو أقوالهم ، و الأصعب أن يتقبل أخطاءهم ، أو أن يتحمل ضعفهم أو عجزهم ، و مرد ذلك كله إلى اعتقاده الزائف بأنه إنسان فاضل ، و أن أخطاءه هي زلات لها مبرراتها ، بينما لا يرى مبررات لأخطاء الآخرين .
تحمل هذه الرؤية وعيا كاملا بأسباب و مبرات الأخطاء الذاتية ، مع اقتناع بالمنطلقات الشخصية ، و بالتالي بناء صورة إيجابية عن النفس .
و في ذات الوقت تتناقض هذه الرؤية مع الآخرين ، لأنها تلاحظ عيوبهم و أخطاءهم ، مع الجهل بأسبابها و مبرراتها ، بالإضافة للاختلاف الطبيعي في المنطلقات ، مما يعني بناء صورة أقرب إلى السلبية عن الآخرين .
و لكن الحقيقة التي يجب أن يعيها كل إنسان أنه ليس أفضل من غيره !
الحقيقة أن هذه الرؤية متبادلة بين عموم الناس ، مما يعني أن كل منا لديه نواقصه و عيوبه ، و كل ما هنالك أن "تشكيلة" العيوب تختلف من شخص لآخر .
فضيلة
كثيرا ما تسمع أحد الناس ينتقد شخصا آخر ، و يجتهد في سرد الوقائع و الأدلة التي تؤيد نقده ، و قد يتحول هذا النقد إلى خطبة حول الفضيلة التي ينتقد نقصها لدى الشخص الآخر ، ثم يختتم خطبته بجمل مثل : "أنا لا أتخيل كيف يفعل هذا" ، "هل هؤلاء بلا دين؟" ، "من المستحيل أن أفعل أنا مثل هذا" ، "ألا يعرف عاقبة ما يفعله؟" ، الخ .
عندما تستمع لهذا الحديث قد تجد أن مفرداته صحيحة تماما ، أي أن الفضيلة هامة فعلا ، و أن الشخص الآخر قد فعل ما يمسها حقا ، و لكن يبقى السؤال عن المتحدث نفسه ، و هذا يحتمل عدة أوجه :
- لن أناقش احتمال أن يكون المتحدث ممن يقولون ما لا يفعلون ، و يفعل نفس ما ينتقده ، فهذا الصنف من الناس موجود ، و لكن مصيبته أعظم من كل ما ذكر ، و لن أتحدث عنه لأن مشكلته واضحة .
- الاحتمال التالي أن يكون المتحدث صاحب خبرة ، و عرضت عليه الفتنة التي يتحدث عنها من قبل ، و لكنه واجهها و نجح في اختباره معها حقا ، و عندها يكون حديثه نابع عن تجربة ، و لديه هذه الفضيلة فعلا .
- الاحتمال الأخير أن يكون المتحدث عديم الخبرة بما قد يسبب ما ينتقده ، و بالتالي فهو صاحب فضيلة ، و لكنها فضيلة لم تختبر !
مشكلة النوع الأخير أنه لا يدري على وجه اليقين ماذا سيكون موقفه هو شخصيا إذا تعرض لنفس الفتنة ، و هل سيثبت على فضيلته أم لا ، فنجد من يتغنى بفضيلة العفة و لم يتعرض لمحنة يوسف عليه السلام ، و نجد من يتغنى بفضيلة الأمانة و لم يستأمن بأمانات محمد عليه الصلاة و السلام ، و نجد من يتغنى بفضيلة حب الوطن و لم يشفع حبه بتضحية واحدة .
و أنت أيضا لديك فضائل لم تختبر ، فهل تفعل ذلك أحيانا ؟ و بماذا تشعر عندما تجد من يفعل ذلك معك ؟
هناك شيء آخر يجب ملاحظته ، و هو أن لكل إنسان نقاط ضعف مختلفة عن الآخرين ، فهل تعرف كل نقاط ضعفك ؟ و هل تعرف كيف تتعامل معها ؟ سيكون هذا محور المقالة القادمة إن شاء الله .
* ملاحظة : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب على كل مسلم ، حتى و لو كان عاصيا ، و هو أمر يختلف عما ذكر في المقالة .
* اللوحة للفنان محمد حجي