كان يقضي أيامه مشغولا كعادة البشر بالواقع المألوف ، فمن بحث عن عمل ، إلى بحث عن زوجة ، إلى بحث عن سكن .
كان يقضي حياته بعيدا عما يريد حقا ، كان يحتاج إلى البحث عن ذاته .
لم يقتنع يوما أنه إنسانا عاديا مثل ملايين البشر ، فبرغم ظروفه العادية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها ، إلا أنه دائما ما حسب نفسه مختلفا ، كان يعتبر نفسه باحثا عن الحقيقة .
كانت عادته أن يفكر في أصل الأشياء ، يبحث عن الأسباب و الدوافع ، لا يقتنع بالتفسير المألوف لواقع الحال ، كانت النظرة الخبيرة لكبار السن تثيره ، و النظريات العلمية تربكه ، و الأساطير و الموروثات بعيدة عن الواقع ، و كلمات الدين لا تسعفه ، بل و حتى تأملاته الخاصة لا تصمد لتغير الظروف و المواقف ، فيعود لينقض غزله من بعد قوة .
...
تمثل له الخلاص عندما استطاع الحصول على مصدر رزق يمنحه حريته المالية ، و بالتالي يساعده على أن يستقل في حياته ، كان يراسل المجلات و الدوريات لنشر أبحاث و مقالات مترجمة ، و كان يجتهد في العمل عندما يحتاج إلى المال ، و يتوقف أو يتلكأ عندما تقل حاجته للمال ، و هكذا بدأ البحث الحقيقي عما يقلقه .
قرأ كل شيء ، اجتهد في البحث في الكتب عن اجابات الأسئلة الكبرى ، آمن أنه يستطيع معرفة أصل الحياة ، من أين جاء الإنسان ، و إلى أين يذهب ، ما سبب آلام الناس ، و ما حكمة العذاب ، و هل من سبيل لرؤية الغيبيات ، و ما هو أصل الأديان ، و ما أسباب اختلافها ، و كيف يفسر التاريخ ، و إلى أين ستؤل الأمور ، و كيف يكتشف ما هو آت ، و ملايين الأسئلة التي تبدأ لتدور و تفضي إلى بعضها البعض ، ثم تتحول إلى دوامة كبيرة .
جرب الفلسفة ، و قرأ في الدين ، و تابع آراء مفكرين ، و قرر ألا يثق إلا فيما يصل إليه بعقله ، و أن يختبر ما يتعلم حتى يصل إلى الحقيقة ، و هكذا وجد نفسه محاطا بأفكار و كلمات بلا حصر ، و محاصرا بأوراق عتيقة و حديثة ، متأرجحا ما بين الطلاسم و العلم ، و أخذ يخط ما يصل إليه من خلاصات و تجارب على مدى السنين .
...
تغير حاله مع الوقت ، ففقره يتزايد ، و انعزاله عن الناس جعله ينفصل عن الواقع اليومي ، و مع ذلك لم يكن هذا كله ما يقلقه ، و لكنها الحقيقة التي يبحث عنها ، و التي أخذت تبدو كمعنى مراوغ ، فبرغم تسويده لآلاف الصفحات ، و التي يعتبرها خلاصة السنين ، و لكنه يدرك أن ما بها من الأسئلة أكثر من الأجوبة بمراحل ، و الأدهى أن الأسئلة كانت تزداد و تتعاظم ، و لا يوجد مؤشر يدل على قرب بلوغ أهدافه .
كان قد تعلم في خلال هذه الفترة الكثير مما يمكن أن يتعلمه من الكتب ، و ها هو يشك من جديد ، و ها هو يفكر - الآن - في أن يتخلى عن كل ما توصل إليه .
و في غمرة حيرته وجد نفسه يهيم في الشوارع مفكرا ، باحثا عن مخرج لورطته ، أخذ ينظر للناس في حقد ، إنه يؤمن أن أحدهم لا يرى أبعد من أنفه ، و مع ذلك يبدون و كأنهم متصالحين مع أنفسم و حياتهم برغم كل ما يكتنفها من غموض و أسئلة ، إنهم أقرب للبهائم التي تعيش أيامها بلا تفكير ، و لكنهم على الأقل يمتلكون الحياة ، و هو الآن يفتقدها ، فهل الخطأ في الأسئلة أم في المنهج ؟
...
جلس بين يدي الشيخ و قد أعيته الحيله ، بعدما أعياه المشوار ، تساءل في كلمات قليلة و طلب النصيحة ، فقال الشيخ :
- و هل ما زلت تبحث عن الحقيقة ؟
- بل إنني على استعداد للموت في سبيلها .
- و هل أنت على استعداد لتقبل النصيحة ، حتى و لو كانت تعني أنك قد سلكت الطريق الخطأ ؟
- إن قلبي يخشى الألم ، و لكن نعم ، فهل لديك القدرة لتعلمني ؟
- لن أعلمك شيئا ، فأنت تعرف كل ما تحتاج إليه بالفعل ، و لكنني سأدلك فقط إلى الطريق .
- و ما هو ؟
- يا بني إن ما تبحث عنه لن تجده في أي كتاب ، ليس لأن أحدا لم يبحث عنه من قبل ، و لكن لأن للعقل حدود ، كما أن للعلم حدود .
- هل تعني أنه لا سبيل لمعرفة الحقيقة ؟ ألم تقل أنك ستدلني إلى الطريق ؟!
- دعني أسألك أنا ، كيف ستستخدم ما تعلمت لخدمة الناس ؟
- و من قال أن هذا ممكنا ؟ أنا حتى لا أعرف ما الذي سأصل إليه .
- يا بني لا قيمة للعلم بدون عمل ، و لا قيمة للعمل بدون هدف ، و لا هدف بدون فهم للحقيقة .
- أنت تعود بي إذن إلى بداية المشوار .
- أنت لم تفهم ، إن الرحلة نفسها هي المنتهى .
ما قيمة المعرفة التي لا تترجم إلى حياة ، و التي لا تتحول إلى تغيير في حياة الناس ؟ ما قيمة الصلاة التي لا تنهى عن المنكر ؟ و ما قيمة الحقيقة ذاتها إذا كانت لا تفضي إلى واقع أفضل ؟
إن روعة الحياة في أن تحياها ، في أن تؤثر فيمن حولك لتترك أثرا له معنى ، في أن تكون عامل إصلاح و بناء ، لا عامل هدم أو إفساد .
إن الدين يجيب على الأسئلة الكبرى التي تبحث عنها ، و لكن من خلال تربية الإنسان على أن يكون هو الإجابة الصحيحة .
...
سار صاحبنا يتلمس سبيل العودة .
و هكذا وجد نفسه يبدأ البحث من جديد .
* اللوحة للفنان محمد حجي